فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 364

لا بأس هنا أن أقدم - باختصار- بعض الأمثلة التطبيقية لتغيّر الفتوى بتغيّر العوامل المؤثرة فيها، ولمن أراد الاستزادة فليرجع إلى مظانها في كتب الفقه والأصول.

اعتبر جمهور الفقهاء المصلحة دليلا شرعيا تُبنى عليه الفتوى والقضاء، فكتب الفقه مليئة بالأمثلة من الأحكام التي عُلِّلَت لجلب مصلحة أو دفع مفسدة، فالمصلحة هي التي جعلت أبا بكر يجمع الصحف المفرقة، وهو أمر لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ووجهت عمر إلى وضع الخراج وتدوين الدواوين، واتخاذ السجون، ومن ذلك أيضا الأحكام التي ذهب إليها الفقهاء في الإفتاء بشرعية فرض الضرائب على القادرين إذا اقتضى ذلك الدفاع عن الحوزة، ولم يكن في بيت المال ما يكفي [1] ، وكذا التعزير بعقوبات شتى فمثل هذه الأحكام قابلة للتغّير كلما تطورت الحياة، وتغيرت الظروف التي دعت إليها، وكل ذلك على ضوء المصلحة [2] .

وبناء الأحكام على المصالح الزمانية والبيئية من أسباب تغيّر الفتوى واختلافها باختلاف الأزمان و الأماكن و الأحوال كما سأبين الآن:

-تغير الأحكام بناء على الضرورة [3] و الحاجة: لقد راعت الشريعة الضرورات والحاجات، وكل ما من شأنه أن يوقع المكلف في الحرج والمشقة، فالشرع جاء

(1) - القرضاوي، فقه الزكاة، القاهرة، مكتبة و هبة، ط 21، ص 1138.

(2) - يقول الشاطبي: «إنا وجدنا الشارع قاصدا لمصالح العباد و الأحكام العادية تدور معه حيثما دار، فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا يكون فيه مصلحة فإذا كان فيه مصلحة جاز» . الموافقات، 2/ 305 (ط: دار المعرفة) .

(3) - من القواعد التي تنتظم تحت نظرية الضرورة:"الضرورات تبيح المحظورات"المستنبطة من عدة أدلة قرآنية كقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} (الأنعام: من الآية 119) ، وقاعدة:"المشقة تجلب التيسير"لقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: من الآية 185) ، و قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج ٍ} (الحج: من الآية 78) ، و غيرها فكل هذه القواعد، يظهر فيها تغير الحكم أو مناط الحكم؛ لأجل تحقيق المصلحة فيجوز في حالة ما لا يجوز في أخرى، انظر: عزت عبيد الدعاس،= =القواعد الفقهية، حمص، دار الدعوة، ط 1، 1965، ص 69؛ السيوطي، الأشباه والنظائر، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1، 1983، ص 82.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت