المبحث السابع
مراعاة مقاصد الشريعة بجلب المصالح و دفع المفاسد
جعل الشاطبي معرفة المقاصد على كمالها أهمَّ شرط لبلوغ مرتبة الاجتهاد إذ قال: «فإذا بلغ الإنسان مبلغا فهم عن الشارع فيه قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة، و في كل باب من أبوابها، فقد حصل له وصف هو السبب في تنزيله منزلة الخليفة للنبي صلى الله عليه وسلم في التعليم والفتيا والحكم بما أراه الله» [1] .
فالشرط الأساسي الذي ينبغي أن يتوفر في المجتهد ليكون مؤهلا للقيام بوظيفة الفتوى هو معرفة مقاصد الشارع جملة و تفصيلا.
وقد أكد على أهمية هذا الشرط وضرورته للمفتي إلى درجة أنه جعل سبب زلة العالم المجتهد هو إغفال مقاصد الشرع وفي هذا يقول: «زلة العالم وأكثر ما تكون عند الغفلة عن اعتبار مقاصد الشرع في ذلك المعنى الذي اجتهد فيه ... » [2] .
وبيّن أن المجتهد إذا أخذ بظواهر النصوص فقط ووقف عند حرفيتها، فإن اجتهاده يكون قاصرا في حين أنه إذا أعمل القياس، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع وراعى الأعراف، والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية فإن الأحكام يتّسع عطاؤها؛ لتستوعب مشاكل الحياة مهما تجددت و تطوّرت و يكون ذلك بجلب المصالح و دفع المفاسد، وفي ذلك يقول: «فالمجتهد إنما يتّسع مجال اجتهاده بإجراء العلل و الالتفات إليها، و لو لا ذلك لم يستقم له إجراء الأحكام على وفق المصالح إلاّ بنص أو إجماع ... فلا بد من الالتفات إلى المعاني التي شُرِعت لها الأحكام، والمعاني هي مسبّبات الأحكام » [3] .
وقد ذكر أبو إسحاق في مقدمة كتاب المقاصد أن: «قصد الشارع في وضع الشريعة ابتداء» [4] هو أنها «وضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل»
(1) - الموافقات، 4/ 106، 107.
(2) - المصدر نفسه، 4/ 122.
(3) - المصدر نفسه، 1/ 146.
(4) - المصدر نفسه، 2/ 3.