[1] ، وبعدها بيّن أن المقاصد على ثلاثة أقسام: ضرورية، وحاجية، وتحسينية؛ لذلك حرص على مراعاة مقاصد الشرع المستفادة من استقراء النصوص، و يظهر ذلك فيما ساقه من أدلة في فتاويه إيمانا منه أن الشريعة جاءت لتحفظ على الناس دينهم، ونفوسهم، وأعراضهم، وعقولهم، وأموالهم، فكل أحكامها جاءت لتحقق مقصدا من هذه الكليات، ولدرء الضرر عنها، فقد كان يصرّح في بعض فتاويه باعتماده على المقاصد المعبّرة عن روح الشريعة، خاصة إذا لم يجد في المسألة نصًا، ومن ذلك لما سئل: عما يفعله الناس بأضحيتهم بعد الذبح من التزيين والتعليق، هل له مدخل في الشريعة أم لا ... ؟ فأجاب: «الحمد لله لا أذكر في هذه المسألة نصا عن أحد، لكن المقاصد أرواح الأعمال ... » [2] و بعدها بيّن حكم النازلة [3] .
و لما كانت العبارة الجامعة لمقاصد الشارع هي: جلب المصالح و درء المفاسد، جعل الشاطبي اجتهاده الفقهي مبنيا على أساس الاستصلاح، سواء كان ذلك في فهم النصوص أو في استنباط الأحكام منها، ومراعاة المصلحة عنده ليس في الأخذ بالمصلحة المرسلة فقط حيث لا يوجد نص أو لا يمكن القياس عليه؛ بل يكون إعمالها - أيضا - عند فهم النصوص، وعند استعمال القياس، وفي سد الذرائع، واعتبار الأعراف ومراعاة الخلاف ... و غيرها من الأدلة الشرعية المشهورة في المذهب المالكي.
ومن هذا المنطلق المصلحي نجد في بعض فتاوى الإمام ما أخذه عن كتاب العتبية، وهي من سماع ابن القاسم عن مالك فقال: «و سألت مالكا عن معاصر الزيت، زيت الجلجلان والفجل يأتي هذا بأرادب، وهذا بأخرى حتى يجتمعوا فيها فيعصرون جميعا قال: إنما يكره هذا لأن بعضه يخرج أكثر من بعض فإذا احتاج الناس إلى ذلك فأرجو أن يكون خفيفا؛ لأن الناس لا بد لهم مما يصلحهم، والشيء الذي لا يجدون عنه بُدًّا و لا غنى فأرجو أن يكون لهم في ذلك سعة إن شاء الله، ولا أرى به بأسا، قال: والزيتون مثل ذلك.
(1) - المصدر نفسه، 2/ 4.
(2) - الفتاوى، ص 214.
(3) - سيأتي تفصيل حكم النازلة لاحقا-إن شاء الله تعالى.