قال ابن رشد: خففه للضرورة إلى ذلك إذ لا يتأتّى عصر اليسير من الجلجلان والفجل على حدته» [1] .
وكلام الإمام مالك هو عبارة عن أصل وقاعدة في المسألة، فحيث يكون الغرر يسيرا، والحاجة داعية إليه ولم يكن القصد فيه إيقاع الضرر، فمثل هذا جائز في المعاملات؛ لأن مصلحة الناس لا تقوم بدون هذا.
يُلاحظ أنّ أبا إسحاق بنى عليه فتواه في إجازة ما كان يفعله أهل غرناطة من خلط ألبانهم للتعاون على استخلاص جبنها وقال بأنّه: «تسهيل وتيسير وتعاون لا يُقصد بمثله قصد الربا ولا المزابنة ولا غير ذلك من الممنوعات فصح أن يُغتفر الغرر اليسير أو الربا اليسير، وله نظائر في الشريعة» [2] ، ثم ختم الشاطبي فتواه بقوله: «فهذا كله مما يدلّ على صحة ما ظهر لي في اللبن والله أعلم، والظاهر جوازه عملا بهذا الأصل المقرر في المذهب» [3] .
ومن هذا يتبيّن أن الشاطبي قد اعتمد في هذه الفتوى على أصل مهم وعظيم من أصول المذهب المالكي ألا وهو: مراعاة المصالح وجلبها.
ومن الفتاوى التي اعتمد فيها على المصلحة، لما سُئل عن رجل تمّ تقديمه لذبح ما يُباع في الأسواق وسلخه، وبأجرة يدفعها إليه من يبيع اللحم في السوق، فيعطونه أجرا من عند أنفسهم معلوما، ويُحصر عليه الذبح والسلخ فلا يفعل ذلك غيره، وكان يمنع أصحابها من سلخها مع أنهم يحسنون ذلك، فهل يجوز له ما يأخذه منهم أم لا ... ؟ [4] .
فأجاب: «إن هذا المعيّن للذبح إما أن يكون بنظر مصلحي أم لا.
فإن كان بنظر؛ لمحافظته على الصلوات و أحكام الذبح وما أشبه ذلك من أمور الدين المتعلقة بما عُين له فلا بأس به، والأجرة في مثله جائزة؛ لأن العامة لا بد لهم مما يصلحهم، ولو سُرِّحَ لجميع الجزارين، لذَبَح تاركُ الصلاة والسكران،
(1) - المصدر السابق، ص 159.
(2) - الفتاوى، ص 158.
(3) - المصدر نفسه، ص 160.
(4) - انظر: الفتاوى، ص 137؛ المعيار المعرب، 11/ 125، 126.