بالتالي يمكنه التصرّف في الزاد الفقهي الذي يكون بين يديه. فالحفظ و الفهم لا يكفيان وحدهما، يقول أبو عبد الله بن عبد السلام [1] : «إنما الغرابة في استعمال كليات علم الفقه و انطباقها على جزئيات الوقائع بين الناس، و هو عسير على كثير من الناس، فتجد الرجل يحفظ كثيرا من الفقه ويفهمه و يعلّمه غيره، فإذا سُئِل عن واقعة لبعض العوام من مسائل الصلاة، أو مسألة من الأعيان لا يحسن الجواب، بل و لا يفهم مراد السائل عنها إلا بعد عسر» [2] .
كما ينبغي لمن يروم الخوض في الفتوى أن يواظب على حضور مجالس الفتوى، ومخالطة الناس وأن يكون بصيرا بأحوال المستفتي، فيكون دقيقا لكلماته وبصيرا بحاله ونفسيته، وظروفه الاجتماعية.
كما ينبغي للمفتي أن يتريّث و يتثبّت في فتواه، و لا يتسرّع في الجواب، فالعجلة من الشيطان.
-والتثبّت في الفتوى من سمات علماء صدر الإسلام، ومن جاء بعدهم من المفتين الذين اقتدوا بهم، فقد روى الإمام مالك: «أنّ ربيعة بن عبد الرحمن بكى [3] : فقيل له: ما الذي أبكاك؟ أمصيبة نزلت بك؟ قال: لا، و لكن الذي
(1) -هو أبو عبد الله بن محمد بن عبد السلام التونسي الهواري، قاضي الجماعة، حافظ متبحّر في العلوم العقلية والنقلية، تولى التدريس والفتوى والقضاء، شارح مختصر بن الحاجب الفقهي، توفي سنة 749 هـ. انظر: محمد مخلوف، شجرة النور، ص 210.
(2) - الونشريسي، المعيار، 10/ 79، 80.
(3) - إذا كان هذا حال السلف مع ما أوتوا من علم و فقه و تقوى، فكيف بأهل زماننا الذي عم فيه الفسوق، وضعف الوازع الديني، وكثرت الافتراءات المغرضة، إذ في كل حين و آن ينعق ناعق لأجل الدعاية والظهور، منبهرا بعلمه و رأيه - و أي علم - حتى لا يُسمع إلا لما يقوله هو، فإذا كان هذا حال العلماء، انتفى اللوم على العامة، يقول صلى الله عليه و سلم: (صنفان من أمتي إذا فسدا فسد الناس، و إذا صلحا صلح الناس: السلطان والعلماء) أخرجه: ابن عبد البر، جامع بيان العلم و فضله، بيروت، دار الكتب العلمية، (1/ 184) ؛ و أخرجه البيهقي، كتاب: الأشربة والحد فيها، باب: التّعدي والاطلاع، (8/ 338) .