ولقد اشتهر أهل الأندلس بالرحلة إلى المشرق، فكان عدد الراحلين كثيرا جدا لا يكاد يحصى، وفي هذا يقول المقرّي: «إنّ حصر أهل الارتحال لا يمكن بوجه ولا بحال، ولا يعلم ذلك على الإحاطة إلاّ علاّم الغيوب» [1] .
ومع ذلك فقد خصّص في كتابه"نفح الطيب"، جزء ًا مهمّا للرحّالة الأندلسيين إلى المشرق [2] .
جاء في الاستقصا: «رأيت في بعض التآليف في سبب ظهور مذهب مالك بالأندلس والمغرب أنّ حجّاج المغرب والأندلس قدموا على مالك - رضي الله عنه - بالمدينة، فسألهم عن سيرة عبد الرحمان بن معاوية المعروف بالداخل، فقيل له: «إنه يأكل الشعير ويلبس الصوف ويجاهد في سبيل الله» ، فقال مالك: «ليت الله زيّن حرمنا بمثله» ؛ فنقم عليه بنو العباس هذه المقالة وكان ذلك سبب توصّلهم إلى ضربه في مسألة الإكراه كما هو مشهور، وبلغت مقالته صاحب الأندلس فسرّ بها، وجمع الناس على مذهبه فانتشر في أقطار المغرب من يومئذ ... » [3] .
فالناصري وغيره ممن تحدثوا عن أسباب انتشار المذهب المالكي بالأندلس اعتبروا السلطة السياسية من أهم هذه الأسباب؛ بل هناك من بالغ في ذلك كالإمام بن
(1) - نفح الطيب، 2/ 5.
(2) - لمعرفة الرجال الراحلين إلى المشرق راجع: نفح الطيب، الجزء الثاني؛ وكذا ترتيب المدارك للقاضي عياض؛ و أبو الوليد يوسف بن الأحمر الغرناطي، نثير الجمان، ت: محمد رضوان الداية، سوريا، مؤسسة الرسالة، ط 1، 1996، ص 200، 201؛ كريم عجيل حسن، الحياة العلمية في بلنسية، مؤسسة الرسالة، ط: 1976، ص 164.
(3) - أحمد خالد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، 1/ 195.