فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 364

حزم، إذ قال: «مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرئاسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة ... ومذهب مالك عندنا بالأندلس، فإن يحيى بن يحيى كان مكينا عند السلطان مقبول القول في القضاء وكان لا يلي قاضٍ في أقطار بلاد الأندلس إلاّ بمشورته واختياره، ولا يشير إلاّ بأصحابه ومن كان على مذهبه، والناس سرّاع إلى الدنيا والرئاسة، فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم به» [1] .

فكلام ابن حزم ومن وافقه [2] في هذا الاتجاه يبدو فيه مبالغة وتجاوز لدور يحيى؛ إذ اعتبر أن انتشار المذهب المالكي واستقراره بالأندلس قد تمّ في عهد يحيى لمنزلته عند السلطان؛ إلا ّ أنّ النصوص التاريخية تؤكد أنّ المذهب أخذ في الاستقرار منذ عهد هشام بن عبد الرحمان (172 - 180 هـ) ، بل في حياة الإمام مالك نفسه بعد رجوع شبطون، وابن أبي هند، و أبي موسى عبد الرحمان الأستيجي وغيرهم، فهؤلاء بعد أن سمعوا من مالك أذاعوا فقهه وعلّموه الناسَ، وشجّعوا تلاميذهم على الرحلة، فرحل يحيى في هذه الفترة واستمر الأمر كذلك في عهد الحكم ابن هشام إلى أن جاء دور يحيى في إمارة عبد الرحمان بن الحكم (206 - 238 هـ) ، فكان دوره [يحيى] دور المتمم في نشر المذهب لما قد بدأه شيوخه من قبله.

فالمذهب المالكي استقرّ بالأندلس بفضل ما تمتّع به تلامذة مالك من قوة في تمسّكهم بمذهبه وتطبيق أحكامه، أما نصرة السلطان ومساندته لهم فقد كان نتيجة للجهود التي أثمرتها سواعد فقهاء الأندلس، ولولاها لما كان لهذا العامل - العامل السياسي- أثر كبير [3] في التزام أهل الأندلس بالمذهب المالكي، فلمّا أدرك السلطان مزية ما كان عليه مذهب مالك من الجمع بين مذهبي أهل السنة في الأصول والفروع، صار ذلك باعثا للأخذ به مذهبا رسميا للدولة في التشريع والقضاء

(1) - الحميدي، جذوة المقتبس، ص 360؛ وانظر: نفح الطيب، 2/ 10.

(2) - انظر: أحمد أمين، ظهر الإسلام، بيروت، دار الكتاب العربي، ط 5، 3/ 49.

(3) - ودليل ذلك ما فعله العبيديون مع رعيتهم، إذ حاولوا فرض مذهبهم في الشمال الإفريقي بكل الوسائل من تهديد وسجن وتنكيل وقتل؛ إلا أنهم لم يفلحوا في تحويل المغاربة من المذهب السني إلى مذهبهم الشيعي. انظر: محمد الشاذلي النيفر، مقدمة الموطأ برواية علي بن زياد، دار الغرب الإسلامي، ص 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت