حظي المفتي - أيضًا - بمنزلة عالية لدى غالبية أمراء الأندلس وحكامها؛ إذ جعلوا له مكانةً خاصةً تقديرًا لعلمه ودوره في المجتمع بصفته المدرس والإمام والمشاور. فتأسست بين المفتي والأمير علاقة احترام متبادل؛ وقد تعامل الفقهاء مع الأمراء سعيًا لنشر رسالة العلم والصدع بالحق عن طريق النصح والإرشاد، ومن الأمراء الذين اشتهروا بتكريم العلماء هشام بن عبد الرحمن (172 - 180 هـ) ، وكان محبًا للعلم ومؤثرًا لمجالس الفقه والحديث، وكان لا يصدر أمرًا إلا بمشورة الفقهاء، حريصًا على الجهاد لإعلاء كلمة الله حتى شبِّه بعمر بن عبد العزيز [1] وأشاد به الفقهاء على الدوام، في حين كان الحكم بن هشام (154 - 206 هـ) لا يقيم وزنًا لهم فلا يسمح لآمر بمعروف ولا ناه عن منكر، فثار عليه العلماء لانهماكه في اللذات ومجاهرته بالمعاصي في ثورة الربض سنة 202 هـ.
وانضم كبار الفقهاء إلى الناس أمثال: يحيى بن يحيى الليثي وعيسى بن دينار ... وغيرهما، وفوجئ الحكم في ذلك اليوم بجموع الثائرين تتقدم إلى القصر للإطاحة بعرشه. [2]
وقد كانت هذه الثورة - كما علَّق أحد المؤرخين المعاصرين: «درسًا بليغا له [الحكم] ولمن جاء بعده، فقد رأى بعينيه قوة هذا الشعب الأندلسي واستعداده لإيقاف الحكام عند حدهم، ومن هنا فسنرى أن الأمراء والخلفاء سيكونون بعد ذلك أكثر مراعاة لمشاعر الناس وأحرص على ولائهم» [3] .
(1) - انظر: نفح الطيب، 1/ 223.
(2) - حسين مؤنس، معالم تاريخ المغرب والأندلس، ص 279.
(3) - المصدر نفسه، وانظر: ابن القوطية، تاريخ افتتاح الأندلس، ص 73؛ وعصام الدين عبد الرؤوف الفقي، تاريخ المغرب والأندلس، مكتبة نهضة الشرق، ص 83 وما بعدها.