فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 364

وما إن مات الحكم واستلم زمام الملك ابنه عبد الرحمن حتى أعاد إلى الفقهاء مكانتهم وقرَّبهم منه، وجعل يحيى بن يحيى في مقام عال؛ إذْ لم يكن يولي قاضيًا بغير رأيه ومشورته، فكان بمثابة وزير العدل.

وظل الفقهاء - بعد ذلك - يحظون بمكانة عالية عند الأمراء، حتى أن الأمير عليا ابن يوسف بن تاشفين: «كان لا يقطع أمرًا في جميع مملكته دون مشاورة الفقهاء؛ فكان إذا ولَّى أحدًا من قضاته، كان فيما يعهد إليه ألا يقطع أمرًا ولا يبتّ حكومة في صغير من الأمور ولا كبير إلا بمحضر أربعة من الفقهاء؛ فبلغ الفقهاء في أيامه مبلغًا عظيمًا لم يبلغوا مثله في الصدر الأول من فتح الأندلس» [1] .

لذلك، كان للفقهاء دور مهم في الحياة السياسية، فكثيرا ما نبهوا أفراد المجتمع إلى وجوب طاعة السلطان بحسب ما تقتضيه المصلحة العامة وحذّروا من أخطار التفرقة، كما فعل الباجي بعد عودته من الرحلة، فقد سعى للإصلاح بين ملوك الطوائف منذرًا ومحذرًا من عواقب التفرقة وناصحًا بالمبادرة إلى نجدة طليطلة - بعد سقوطها على يد ألفونسو السادس - مؤكدًا أن ملك قشتالة سوف يسحق كل دولة الواحدة تلو الأخرى [2] ؛ إلاّ أنه لم يفلح في ذلك. وبإلحاح من الفقهاء قدم يوسف بن تاشفين لإنقاذ الأندلس ونجدة أهلها، وما إن عاد إلى المغرب حتى رجع أمراء الطوائف إلى عهدهم الأول، فعزم على فتح الأندلس، فأفتاه فقهاء الأندلس والمغرب بوجوب خلع ملوك الطوائف، كما أفتوا من قبل: «بخلع عبد الله وأخيه تميم صاحب مالقة لما يرتكبانه من المظالم والخروج على أحكام الدين» [3] .

ولما قضى ابن تاشفين على حكام الطوائف، أقبل الفقهاء إليه لمبايعته على السمع والطاعة.

(1) - عبد الواحد المراكشي، المعجب، ص 235؛ وانظر: حمدي عبد المنعم محمد حسين، تاريخ الأندلس والمغرب في عهد المرابطين، الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة، 1986، ص 328.

(2) - محمد عبد الله عنان، دولة الطوائف منذ قيامها حتى الفتح المرابطي، القاهرة، مكتبة الخانجي، ط: 2، 1969، ص 111.

(3) - المصدر نفسه، ص 341.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت