تقرر في الفصل السابق أن الشاطبي من كبار علماء المالكية بالمدرسة الأندلسية و أنه من المجددين في علم أصول الفقه، حيث توسّع في بحث مقاصد الشريعة بطريقة لم يُسبق إليها، وامتدّ تجديده كذلك إلى مجال الإفتاء، فكثير من فتاويه عالجت قضايا عصره؛ لأنه كان يقدّر واجب القيام بأعباء الوراثة النبوية في الإصلاح و التعليم و محاربة البدع باعتباره مجتهدا في المذهب المالكي، عالما بمقاصد الشريعة، مدركا لأسرارها و خبيرا بمصالح الناس؛ لأنه استوعب الواقع الأندلسي بأحواله وظروفه وملابساته.
ومن تتبع فتاويه [1] وجدها تتصف بسمات خاصة تدلّ على تميز صاحبها، فما هي أهم مميزات منهج الشاطبي و خصائصه في إفتائه؟، كيف كان منهجه التطبيقي في معالجة قضايا عصره و مشكلاته؟، و ما هي الأصول و القواعد التي اعتمدها للاستدلال على آرائه و أقواله؟، و هل كانت له اختيارات خارجة عن المذهب؟ و كيف كان يعامل مستفتيه؟ ... هذا ما أحاول الإجابة عنه في هذا الفصل فأقول و بالله التوفيق:
إن من تتبع فتاوى الشاطبي يجدها تتميز بخصائص وسمات، يمكن أن أفصل القول فيها كما يأتي:
(1) - بلغ عدد فتاوى الشاطبي ستون فتوى، قام بجمعها و تحقيقها محمد أبو الأجفان؛ و لكن لو حققت مصنفات أخرى في فقه النوازل لأمكن إيجاد فتاوى أخرى.