قال بالثاني جعل العاقلة في كل زمان و مكان: من ينصر الرجل و يعينه في ذلك الزمان و المكان [1] .
فأصحاب القول الثاني راعوا العرف وعليه تغيّرت الفتوى، و مثاله أيضا: «كشف الرأس فإنه يختلف بحسب البقاع في الواقع، فهو لذوي المروءات قبيح في البلاد الشرقية، غير قبيح في البلاد المغربية، فالحكم الشرعي يختلف باختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحا في العدالة وعند أهل المغرب غير قادح» [2] ، وكذلك تفسير ألفاظ النكاح والطلاق، والأيمان، كل ذلك مرجعه أعراف الناس وعاداتهم.
-وهناك بعد أساسي آخر له أثره الفعّال في بناء الأحكام الشرعية يتمثل في تطور الزمان وفساده: فمن أمثلة تغير الأحكام بسبب فساد الزمان والأخلاق [3] ، زيادة تدخلات السلط في مثل التّسعير في الأثمان للنّاس بسبب كثرة الطمع و الجشع و فساد أخلاق التّجار، والحقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن التّسعير وقال: (إنّ الله هو المسعّر القابض الباسط الرزّاق) [4] ، وبيّن ابن القيم علّة نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن التّسعير وهي: عدم وجود ما يقتضيه ولو كان لفعله [5] ، وكمثل تحديد ساعات العمل بسبب فساد الأخلاق وميل الناس إلى
(1) - انظر: ابن تيمية، الفتاوى، 19/ 255، 256.
(2) - الشاطبي، الموافقات، 2/ 216.
(3) - الفساد: هو أن يضيّع النّاس الخِصال الحميدة و قلة احترام حقوق الآخرين، و ضعف العقيدة الدينية وانعدام المسؤولية و شيوع الظلم. (انظر: الزرقا، الفقه الإسلامي، 2/ 926 وما بعدها، المدخل الفقهي العام، له، 2/ 933) .
(4) - أبو داود، كتاب: البيوع و الإجارات، باب: في التسعير، ح: 3451. (راجعه: محمد محي الدين، بيروت، دار الفكر، 3/ 731) ؛ وانظر: الشوكاني، نيل الأوطار، مصر، مطبعة مصطفى البابي، الطبعة الأخيرة، 5/ 34.
(5) - ابن القيم، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، بيروت، دار الفكر اللبناني، ط 1،1991، ص 34.