الفقهاء في الاحتجاج بها بين مقل ومكثر مثل: الإجماع، والقياس، والاستحسان، و غيرهما من مآخذ الاجتهاد [1] ؛ إذ أن الاجتهاد باب عظيم مفتوح أمام الفقيه، لعلاج ما يستجد من قضايا، و هو [الاجتهاد] بذل الطاقة لتحصيل حكم ظني شرعي عملي على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد عليه [2] ، فالشريعة الإسلامية ليست جامدة لا تراعي تطورات الحياة و لا تؤمن بحركتها المستمرة وتغيراتها المختلفة، بل هي شريعة مفتوحة أبوابها للاجتهاد المستمر [3] ؛ لأن أحوال العالم و الأمم وعوائدهم ونظمهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستمر كما قال ابن خلدون [4] .
-أول هذه العوامل: هي تلك المساحة الواسعة التي يشكلها المباح أو منطقة العفو التي تركتها النصوص قصدا لاجتهاد المجتهدين، حيث تظافرت نصوص القرآن و السنة على بيان سعة هذه الدائرة، مقابل المطلوب و الممنوع، ومن ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيم ٌ} [5] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (دعوني ما تركتكم إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على
(1) - مدخل لمعرفة الإسلام، ص 177.
(2) - حسن أحمد مرعي، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، القسم الأول، بحث مقدم لمؤتمر الفقه الإسلامي، الرياض، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1396 هـ، ص 14.
(3) - محسن عبد الحميد، منهج التغيير الاجتماعي في الإسلام، بيروت، مكتبة الرسالة، ط 1983. ص 72، وانظر: معروف الدوالبي، المدخل إلى علم أصول الفقه، دار الكتاب الجديد، ط 6، ص 318.
(4) - انظر: مقدمة كتاب العبر و ديوان المبتدأ و الخبر أيام العرب و العجم و البربر و من عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، تونس، الدار التونسية للنشر، ط: 1993، ص 59.
(5) - المائدة: 101.