رغبتي الملحة في دراسة هذه الفتاوى الصادرة عن شخصية متميزة بنبوغها. فهذه النوازل جديرة بالعناية، حقيقة بأن يعكف عليها الباحثون، ليس من أهل الفقه فحسب، بل من علماء الاجتماع، والسياسة، والتاريخ، والأدب أيضا، لعلهم يستكملون ما تفتقر إليه دراساتهم وبحوثهم.
ومن الأسباب الداعية لهذه الدراسة - أيضا -، حاجة طلبة العلم للتعرف على مناهج العلماء، خاصة المحققين منهم: كالإمام الشاطبي، فأردت أن أبيّن أن علماءنا لم يجتهدوا في شرع الله بطريقة عشوائية، بل كانوا يحددون المنهج ثم يتّجهون إلى أهدافهم بخطوات منظمة وعقل واع، فحققوا بذلك المقاصد العليا التي جاءت الشريعة من أجلها. خاصة وأن للفتوى منزلةً عاليةً؛ إذ بها تنضبط تصرفات المكلفين وفق المنهج الرباني، وبها يعرف الحلال والحرام، وحسبها شأنا أن المولى - عز وجل - قد تولاها بنفسه، ثم بعده سيّد البشرية محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم ورثها عنه العلماء الراسخون.
إلاّ أنه - ومع الأسف - قد تجاسر عليها اليوم كثير من مدعي العلم والفقه حتى صارت مرتعا لكل جاهل، ولقمة سائغة في فم كل من حفظ حرفًا؛ لذلك تناولت هذا الموضوع لأبين أهمية هذا المنصب وشروط من يتولاه وكيف تشدد أعلام المدرسة الأندلسية في ذلك، خاصة منهم الإمام الشاطبي، فبيان منهج هذا الأخير في الفتوى وتوضيح المعايير والأسس التي اعتمدها ضروريّ حتى تكون منارة لمن أراد أن يتولى هذه المهمة الخطيرة.
كما أنني أرى أنه من واجب طلبة العلم الإسهام - كل بما أوتي من جهد وقدرات - في إحياء التراث الفكري للإمام الشاطبي والكشف عن منهجه في إصدار فتاويه وتقويمه.