بعد هذه الجولة العلمية أختم بحثي بعرض أهم النتائج و الفوائد المهمة التي توصلت إليها، و قد وقفت بعون الله و توفيقه على حقائق هامة أسجلها فيما يأتي:
تعدّ الفتوى من أعظم الشؤون الدينية وأهمها؛ لأنّ بها يعرف الحلال والحرام، وعليها تتوقف مصالح الناس وبها يهتدون في أمور دينهم ودنياهم، ولجلالة قدرها تولاّها المولى عزّ وجلّ بنفسه في كتابه العزيز، وتولاها رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ورثها عنه العلماء الراسخون الربانيون.
لما كانت الفتوى وراثة عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقوم المفتي مقامه وجب أن تتوفر فيه شروط وصفات، فلا يترك بابها مفتوحا يلجه أي كان.
ترك المولى عزوجل مساحة واسعة، يشكلها المباح أو منطقة العفو التي لم تتناولها النصوص قصدا حتى تترك لاجتهاد المجتهدين، فيبني المفتي أحكامه بناء على المصلحة التي تعد من أخصب الطرق التشريعية، ففيها المتسع لمسايرة تطورات المجتمع وتحقيق مصالح الناس وحاجاتهم؛ لذلك ينبغي عليه مراعاة أعرافهم وحالات الضرورة، لرفع الحرج والمشقة عن الخلق، وعليه أسس المحققون من أهل العلم القاعدة الفقهية (لا ينكر تغيّر الأحكام بتبدّل الزمان) ، و التي تعني أنّ الأحكام الشرعية تتغيّر وتتبدّل بحسب الظروف المكانية والزمانية وبحسب تغيّر الأحوال والعوائد أيضا؛ بهدف تحقيق المصالح ودرء المفاسد عن العباد. وفي هذا ما يحفظ للشريعة بقاءها و خلودها، واستيعابها للمستجدات المختلفة عبر الزمان والمكان.
إنّ الانتشار الواسع للمذهب المالكي مع اختلاف تلاميذ الإمام مالك في مدى التأثر بالجانبين المكونين لشخصيته العلمية، وتأثّرهم أيضا بالبيئات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي عاشوا فيها، حتّم عليهم أن يحدثوا منازع مختلفة في الاجتهاد والفتوى من حيت التأصيل والتفريع والتقعيد داخل المذهب، مما نشأ عنه تيارات فقهية تتباين في بعض الفروع؛ ولكنها تتلاقى في جميع أصولها حتى تحولت إلى مدارس متعددة منها: المدرسة الحجازية، والمدرسة المصرية، والمدرسة العراقية، ومدرسة الشمال الإفريقي، ومدرسة الأندلس.