كان لكل مدرسة مميزاتها متمثلة في انفراد كل مدرسة بروايتها لبعض فتاوى مالك واجتهاداته دون غيرها، كما اعتمدت من الأمهات والمصادر كتبا خاصة، ألفت كلها على أساس واحد هو"موطأ"مالك، فكل واحدة قائمة برجالها تنتهج طريقة معينة في التفكير والاستنباط بما يلائم الظروف المحيطة بها، مما أدى إلى إصدار فتاوى مخالفة لبعض أقوال مالك في الحوادث المستجدة؛ إلاّ أنّ التواصل العلمي بين هذه المدارس ثابت سواء عن طريق الرحلة أو المراسلة، و التأثر والتأثير واضح بينها.
تعد المدرسة الأندلسية من أهم المدارس المالكية، وقد كانت بداية نشأتها مع رحلة الغازي بن قيس وإدخاله الموطأ على صورته الأولى قبل أن ينقّحه الإمام مالك ويهذّبه؛ لأنه كان ينظر فيه كل سنة ويسقط منه حتى بقي على صورته النهائية التي بين أيدينا اليوم، أما زياد بن عبد الرحمان المعروف بشبطون فهو أول من أدخل الموطأ منقّحا متفقها بالسماع منه، وقد كان يحيى بن يحيى الليثي من تلاميذ شبطون وأبرعهم فأشار عليه بأن يرحل إلى مالك ويتلقّى عنه مباشرة، فرحل وعاد بالموطأ مكمّلا ومهذّبا في صورته الأخيرة كما أرادها صاحبه، فبداية ظهور المذهب المالكي بالأندلس كانت في عهد عبد الرحمان بن معاوية (138 - 172 هـ) ، ثم بعدها استقرّ أكثر وتمكّن بهذه البلاد في أيام هشام بن عبد الرحمان، فأصبح القضاء والفتوىعلى مذهبه، والتزم أهلها به فألفوا في ذلك مصنفات قيّمة، كالواضحة، والعتبية، والبيان والتحصيل ... وغيرها.
إنّ تمسّك الأندلسيين بمذهب مالك لم يكن تقليدا محضا؛ بل كانت هناك عدة أسباب جعلتهم يقبلون على المذهب، منها: العامل النفسي والاجتماعي والمتمثل في شخصية الإمام مالك وما تميّز به من سلامة مسلكه في أمور العقيدة واشتهاره بالورع والاحتياط في الفتوى مع بلوغه درجة الاجتهاد في الفقه والحديث، بالإضافة إلى الأصول والقواعد الكثيرة التي بنى عليها مذهبه؛ فكان أكثر مرونة وأقرب إلى واقع الناس ومصالحهم مهما اختلفت أعرافهم وعاداتهم، بالإضافة إلى عناية مالك بطلبة الأندلس، فقد خصّهم في مجلسه، فكان لسلوكه هذا الأثر البالغ في نفوس الأندلسيين مما جعل عدد تلامذته يزداد أكثر فأكثر، كما أنّ تمتّعهم بالقوة وشدة التمسّك بمذهب إمامهم وتطبيق أحكامه، وعدم الخروج عنه إلاّ في القليل، كان سببا قويا لجعله اختيارهم النهائي. وكان لتشابه بيئتي الحجاز والأندلس من الناحية الاجتماعية أثر كبير لقبول أهل الأندلس هذا المذهب، فأهل الأندلس والمغرب