المبحث الخامس:
تغليب روح التسهيل و التيسير على التشدد و التعسير
إن الشريعة الإسلامية مبنية على التيسير ورفع الحرج ودفع الضرر عن العباد، وهذا ما نطق به القرآن و صرّحت به السنة في مناسبات عديدة، ففي ختام آية الصيام من سورة البقرة {يريد الله بكم اليُسر و لا يريد بكم العسر} [1] ، و في ختام آيات المحرّمات في الزواج، وما رخّص الله فيه من نكاح الإماء المؤمنات لمن عجز عن زواج الحرائر، يقول عز وجل: {يريد الله أن يخفف عنكم و خلق الإنسان ضعيفا} [2] ... و غيرها من الآيات الكريمة التي حرّمت التشدّد و الغلو في الدين، و البشير عليه الصلاة و السلام يقول: (بشّروا و لا تُنفّروا و يسّروا ولا تعسّروا) [3] ، و يقول: (إنما بُعثت بحنيفية سمحة) [4] ، و يعلن صلى الله عليه وسلم أنّ من غالى في عبادته فقد رغب عن سنته قائلا: (من رغب عن سنتي فليس مني) [5] .
وكذا كان نهج الصحابة، ومن تخرّج على أيديهم من التابعين وتابعي التابعين.
فلما كانت الشريعة تتميّز بالوسطية و اليسر اتخذ الشاطبي منهجا وسطا بعيدا عن تنطّع المغالين و المتشددين، و متجافيا عن تساهل المتساهلين، و في هذا يقول: «المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على الوسط المعهود فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، و لا يميل بهم إلى طرق
(1) - البقرة: 185.
(2) - النساء: 28.
(3) - أخرجه مسلم، كتاب: الجهاد و السير، باب: في الأمر بالتيسير و ترك التنفير، ح:4525.
(4) - أخرجه أحمد في مسنده، كتاب: باقي مسند الأنصار، ح: 23710؛ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ح: 7715.
(5) - أخرجه البخاري، كتاب: النكاح, ح: 4675.