الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا المصطفى المبعوث رحمة للعالمين، الذي بيّن للنّاس شريعة خالقهم، المفضية إلى فلاحهم، وأفتاهم في أمور دينهم، فكان أول المفتين عن رب العالمين، وأقام العلماء بعده مقامه فكانوا بذلك ورثته في إفتاء المستفتين، ليعملوا بما علموا تنويرا لبصيرتهم و إرضاء لربهم، وتحقيقا لفوزهم.
وبعد:
ففي كل أفق من آفاق العالم الإسلامي، أسماء رجال معدودين، امتازوا بمواهب وعبقريات، رفعتهم إلى الأوج الأعلى من آفاق العلم والمعرفة، وسجلت أسماؤهم في قائمة عظماء التاريخ، وجهابذة العلم، فأصبحوا نجوما لامعة ومصابيح ساطعة تتلألأ في كبد السماء، فبرزت من نسج أيديهم وعبقرياتهم أعمال هي اليوم آثار من التراث، تضيء لأهل هذه الدنيا، فتفيد من أنوارها البشرية كل حسب مكانته وعلى مقداره، فكانت منار القرون اللاحقة وستبقى خالدة على مدى الحياة، وبذلك بنوا لأنفسهم مجدا لا يطرأ عليه التلاشي ولا النسيان، وخلد ذكرهم على مر السنين وتعاقب الأزمان، فكانوا بحق ورثة الأنبياء.
فهؤلاء مازالت تدون أقوالهم لاسيما فتاواهم في العويصات التي لا يهتدى إلاّ بها، وآراؤهم في المدلهمات التي لا يعول إلا عليها، واستنباطاتهم في المعضلات ما هو إلاّ الحق الصريح والمذهب الصحيح، وكان ممن انتشرت فتاواه في بلاد الأندلس، الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي الغرناطي المتوفى سنة (790 هـ) ؛ الذي كان له دور كبير في فكر المدرسة الأندلسية المالكية خصوصا، والفقه الإسلامي عموما في القرن الثامن الهجري والقرون اللاحقة، فهو يعتبر من العلماء الذابّين عن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فقد سخّر كل حياته لمواجهة البدع التي حاول بعض الملاحدة والزنادقة من الباطنية ومدّعي التصوف إلصاقها بالدين ليفتنوا الناس ويضللوهم ليصلوا إلى هدم الإسلام من الداخل.
فقد كان العصر الذي يعيش فيه - من الناحية السياسية والاجتماعية- مشوبا بعوامل التفسّخ والفساد، فتصدّى له بكل الطرق والوسائل: بالتأليف، والتدريس، والإفتاء ...