والجدير بالذكر أن الشاطبي لم يشتهر إلاّ بعد أن نُشِر كتاباه الموافقات، والاعتصام في البدع هذان الكتابان اللذان كانا من الكنوز الدفينة الدالة على قدمه الراسخة في علوم العربية وفنون الشريعة حيث صارا- خاصة الموافقات- من المصادر الأساسية التي يلجأ إليها الباحثون في علوم الشريعة تأكيدا وتوثيقا لما يكتبون، فكان نورا ساطعا بيّن فيه الأسس الصحيحة لفهم أحكام الشريعة المؤدية إلى صلاح البشرية حسب فلسفة التشريع الإسلامي تحقيقا لمقاصده.
هذا وقد كان للشاطبي فتاوى قيّمة تعتبر سجلا ناطقا بآرائه الفقهية، و لِما يحدث في عصره من وقائع ومستجدات، تَبيّن فيها منهجه الفقهي في تطبيق القواعد الأصولية والفقهية، وكذا المقاصد الشرعية التي استقرأها من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، فقد كانت فتاويه تجيب المستفتين فيما استُشكل عليهم من نوازل وحوادث، تحمل بين طيّاتها تعريفا بأحكام فقهية، وتوضيحا لبعض المسائل العلمية في مجال الاجتهاد، وتقويما لسلوك الفرد والمجتمع من أجل الإصلاح والتجديد ونبذ الفساد والجمود، وشرحا لبعض أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وبهذا كانت هذه الفتاوى أداة ناجحة من أدوات التبليغ والإرشاد، تفتح آفاقا واسعة للاتصال بعامة الناس وخاصتهم، وهي تمتاز عن سائر الطرق بأن إثارة الموضوع فيها كان من سائل مستفت مشتغل بالأمر، حريصٍ على الإفادة، فاشتغال الشاطبي بالفتوى حتّم عليه الاهتمام بنوع خاص من الفقه، ألا وهو:"فقه النوازل"، الأمر الذي جعل مترجميه ينسبون إليه فتاوى فقهية؛ وإن كان عددها ستون فتوى وهو عدد قليل مقارنة مع بقية فتاوى علماء آخرين كابن رشد الجد، وشيخه ابن لب وغيرهما؛ إلاّ أنها تميزت بمنهج خاص اتبعه الإمام أبو إسحاق؛ لذلك حاولت دراسة منهجه لأبيّن كيف كانت طريقته الاجتهادية التي جاءت وليدة الحاجات والظروف؟ وما هي أهم خصائص منهجه التطبيقي ومميزاته؟ وهل كانت آراؤه موافقة لمشهور المذهب المالكي أم كانت له اختيارات خاصة به؟ وما هي الأصول والقواعد التي اعتمدها في إصدار فتاويه؟ وهل كانت هذه الأصول والأسس موافقة لأصول المذهب المالكي أم أنه انفرد بأصول خاصة به؟ وبعبارة أخرى: كيف استطاع أن يربط بين الفقه وأصوله ثم بعدها تكييف هذا الحكم الشرعي وتطبيقه على أرض الواقع؟ وهل طبّق فكره المقاصدي على الأحكام الفقهية التي أفتى بها؟ وكيف كان موقفه من الانحراف وأهل البدع؟