فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 364

المطلب الثاني: العامل الجغرافي.

فالإمام مالك ينتمي إلى المدينة المنورة، وهذه الأخيرة تحتل مكانة عالية في نفوس المسلمين، وبالأخص الأندلسيين، وقد خصّها الله بمزايا كثيرة فهي إحدى الديار الثلاثة المقدسة التي لا تُشدّ الرحال إلاّ إليها، وهي التي جاء في فضلها وفضل عالمها أحاديث، كما دعا لها النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة ... ، فهذه المميزات جعلت قلوب المسلمين تحنّ إليها وتتعلّق بها، وأسماعهم تصيخ لأخذ العلم وطلبه من منبعه الأصلي؛ لذلك سارع أهل الأندلس للأخذ عن الإمام الذي كان يجلس في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحدّث ويروي عنه، فتمسّكوا بعلمه، وبرجوعهم إلى الأندلس جلسوا إلى النّاس يعلمونهم مسائل الحلال والحرام، ويحدّثونهم عن رحلتهم، والمكانة الرفيعة التي نالوها عند الإمام مالك، فاستنهضوا بذلك همم الطلبة، وشجعوهم على سلوك سبيل الرحلة، فكانت _ الرحلة _ من العناصر المساهمة في الازدهار [1] العلمي حتى عدّت وساما يعلّق على صدر الراحل فيُميّز عن غيره.

لذلك جعل المقرّي سبب انتشار مذهب مالك في الأندلس هو «رحلة علماء الأندلس إلى المدينة، فلما رجعوا إلى الأندلس وصفوا فضل مالك وسعة علمه وجلالة قدره فأعظموه» [2] ، وإلى مثل هذا ذهب ابن خلدون إذ يقول: «وأما مالك - رحمه الله تعالى - فاختصّ بمذهبه أهل المغرب والأندلس، وإن كان يوجد غيرهم، إلاّ أنهم لم يقلدوا غيره إلاّ في القليل، لما أنّ رحلتهم كانت غالبا إلى الحجاز، وهو منتهى سفرهم، والمدينة يومئذ دار علم» [3] .

(1) - إبراهيم عبد الرحمان إبراهيم، المدخل لدراسة الفقه الإسلامي، الأردن، مكتبة دار الثقافة، ط 1، 1999، ص 100، 101.

(2) - نفح الطيب، 4/ 217.

(3) - المقدمة، 3/ 1054.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت