فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 364

المبحث الرابع

الفتوى في المدرسة الأندلسية وأبرز خصائصها.

المطلب الأول:

أهمية الفتوى عند أهل الأندلس.

تُعدُّ الفتوى من أهم الخطط الشرعية في الأندلس، لِما لصاحبها من النظر في أمور المسلمين ومصالحهم، فإلى المفتي يلجأ الناس كلما واجهتهم نازلة، سواء في دينهم أو دنياهم، ويحكّمونه ويسلّمون له زمام أمورهم، فقد كان الناس يثقون به، فيسألونه عن أمورهم الخاصة، ويبوحون له بأسرارهم وخواطرهم مما لا يستطيع الإنسان أن يبوح به ولو لأقرب الناس إليه.

فكثيرا ما كان المفتي يسعى إلى تقويم ما انحرف من سلوك الأفراد والجماعات، ونصح السلطان للقيام بشؤون الرعية، فكان - المفتي - بحق الضمير الحي للأمة.

ولأهمية الفتوى وجلالة قدرها، حرص الفقهاء على ضرورة توافر كل الشروط المذكورة في المفتي، فكلما استوفى أكثرها كان إلى الحق أقرب، يقول الونشريسي: «يشترط في المفتي والحاكم أن يكون مجتهدا في أصول الشريعة، عارفا بمآخذ الأحكام، فإن عجز عن ذلك فليكن مجتهدا في مذهب من المذاهب، فإن عجز عن ذلك فله أن يفتي بما يتحققه ولا يشك فيه ... فإن كان خطؤه فيه نادرا بعيدا جاز له الفتوى والحكم وإلاّ فلا» [1] .

لذلك حرصوا على أن يكون المفتي في مستوى المسؤولية، ويظهر ذلك من عدة أمور أذكر منها:

اختيار الفقيه الذي يكون أهلا للفتوى، فقد ذكر المقرّي أن أهل قرطبة «كانوا لا يقدّمون أحدا للفتوى ولا لقبول الشهادة حتى يطول اختباره وتعقد له مجالس المذاكرة، ويكون ذا مال في غالب الحال، خوفا من أن يميل به الفقر إلى الطمع فيما أيدي الناس فيبيع به حقوق الدين» [2] .

(1) - المعيار المعرب، 11/ 110.

(2) - نفح الطيب، 3/ 214.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت