فالفتوى تقتضي تدرّبا و خبرةً طويلة؛ لذلك كان علماء الأندلس ينصحون تلامذتهم بالمواظبة على حضور مجالس الشورى بين القضاة والفقهاء المشاورين، يقول ابن سهل: «وكثيرا ما سمعت شيخنا أبا عبد الله بن عتاب رضي الله عنه يقول: الفتيا صنعة، وقد قاله قبله أبو صالح أيوب بن سليمان بن صالح ... قال: الفتيا دُربة، وحضور الشورى في مجلس الحكماء منفعة وتجربة، وقد ابتليت بالفتيا فما دريت ما أقول في أول مجلس شاورني فيه سليمان بن أسود، وأنا أحفظ المدوّنة، والمستخرجة الحفظ المتقن ... والتجربة أصل في كل فن، ومعنى مفتقر إليه» [1] .
ونقل الونشريسي عن الإمام مالك: «لا ينبغي للعالم أن يفتي حتى يراه الناس أهلا لذلك، ويرى هو نفسه أهلا لذلك» [2] ، وفسّر القرافي كلامه قائلا: «يريد تثبت أهليته عند العلماء ويكون هو بيقين مطّلعا على ما قاله العلماء في حقّه من الأهلية؛ لأنّه قد يظهر من الإنسان أمر ضد ما هو عليه، فإذا كان مطّلعا على ما وصفه به النّاس حصل اليقين في ذلك» [3] .
لقد أدرك أهل الأندلس أهميّة الفتوى وجلالة قدرها، فكل مفتٍ نُصِّب لذلك يطلب منه أن يضع نصب عينيه شرف خطته، إذ كان «بخارج قرطبة ثلاثة آلاف قرية، في كل واحدة منها منبر وفقيه مُقلّس تكون له الفتيا في الأحكام، وقد كان لا يجعل القالس عندهم على رأسه إلا ّمن حفظ الموطّأ، وقيل من حفظ عشرة آلاف حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحفظ المدوّنة» [4] .
(1) - المعيار المعرب،10/ 79.
(2) - المصدر نفسه، 10/ 39.
(3) - الفروق، 2/ 110.
(4) - نفح الطيب، 1/ 458.