ويشترط في المجتهد المطلق أن يعرف من الكتاب و السنة ما يتعلق بالأحكام. وحقيقة ذلك ومجازه، وأمره ونهيه، ومجمله ومبينه، ومحكمه ومتشابهه، ... وأن تكون له معرفة جيدة بالسنة النبوية بحيث يستطيع المجتهد التمييز بين صحيحها وسقيمها، ومراتب ما روي منها وطرق الاحتجاج بها، وغير ذلك مما هو ضروري ولازم لمعرفة الحكم الشرعي، واشترطوا فيه أيضا: أن يعرف ما أجمع عليه الفقهاء و ما اختلفوا فيه، وأن يعرف القياس وشروطه، وأن يكون على قدر كاف من المعرفة باللغة العربية، وأساليبها ونحوها وصرفها [1] .
ولا خلاف بين العلماء في أن المجتهد المطلق أهل للإفتاء، و أنه يصلح أن يكون مفتيا، بل تجب عليه الفتوى بما أداه إليه اجتهاده، واقتضته الأدلة دون تقليد لغيره [2] .
وهذا المجتهد له أربعة أحوال، ولكل حالة حكمها:
الحالة الأولى: أن يتبع إمام مذهبه في مناهج البحث والاستدلال والاستنباط ولكن لا يقلده فيما وصل إليه هذا الإمام باجتهاده من أحكام تفصيلية، فلا يلتزم بفروع إمامه، وإنما يسلك طريقه في الاجتهاد والفتوى ويدعو إلى مذهب إمامه، ويطلق على أصحاب هذه المرتبة اسم"المجتهد المطلق المنتسب"و لمثل هذا المجتهد الحق في أن يكون مفتيا ومن هذا النوع صاحبا أبي حنيفة.
الحالة الثانية: أن يكون مجتهدا في مذهب إمامه، مستقلا بتقريره بالدليل؛ و لكن لا يخرج على أصول إمامه، و قواعده مع قدرته على التخريج و الاستنباط و إلحاق الفروع بالأصول التي قررها إمامه، ولصاحب هذه الحالة الأهلية لأن يكون مفتيا،
(1) - صفة الفتوى، ص 15، 16؛ انظر: عبد الكريم زيدان، نظام الإفتاء، ص 49.
(2) - الشاطبي، الفتاوى، مقدمة المحقق: محمد أبو الأجفان، ص 73، و انظر: نظام الإفتاء، ص 50.