بأحكام أصلية تنظيما للحالات العادية، ثم أذن في تغييرها تغييرا وقتيا في الحالات الاستثنائية معالجةً لحالات الضرورة التي يترتب عليها الهلاك والضياع، لذا جاز كشف العورة لضرورة التداوي، وجاز أكل لحم الخنزير والجيف للمضطر، وشرب الخمر للغصة، وغيرها.
-تغير الأحكام بتغير البيئات: البيئة لها تأثيرها في تغيّر الأحكام؛ لأن الناس يأخذون بعض الخصائص منها، فتؤثر في عاداتهم وتعاملهم، وهناك تأثر ليس من خصائص الناس بل من خصائص البيئة التي لا تستقر على حال واحد، كعوامل الجو من مطر و قحط وحر وبرد، مما يؤثّر في حياة الناس و أعرافهم، فينبني عليه اختلاف الأحكام [1] التي لا يمكن تحقيق مناطها إلا باعتبار هذا الجو الطبيعي، فالصبي في سن الرابعة عشر في بلد حار يبلغ الحلم فيتعلق به التكليف، ونظيره في بلد بارد لا يبلغ، فلا يكون مكلفا، فسقوط التكليف عن أحدهما، وقيامه بالآخر ليس لاختلاف الخطاب الموجه إليهما بل هو واحد؛ و لكن متعلقه وقوع التكليف على من عاش في بلد حار وظهرت عليه أمارات البلوغ وعدم التكليف على من عاش في بلد آخر، ولم تظهر عليه الأمارات نفسها [2] ، ومن ذلك أيضا إنشاء الحمامات فإما أن يحتاج إليها من غير محظور، فهذا لا ريب في الجواز سواء كانت في بلاد حارة أم باردة، وقد بنيت في العراق والحجاز واليمن، وقد دخلها غير واحد من الصحابة، وإما أن يحتاج إليها مع اشتمالها على محظور فتكون جائزة في البلاد الباردة لحاجة الناس للاغتسال فيها، فإن منعت هنا الحمامات لوضعنا المكلف في حرج ومشقة يقول ابن تيمية: «بناء حمام عامة في بلاد باردة وصيانتها عن كل محظور ... وهذا لا ريب في جوازه ... و قد يكون دخولها واجبا إذا احتاج إلى طهارة واجبة» [3] ، أما
(1) - كوكسال، تغير الأحكام في الشريعة الإسلامية، ص 83،84.
(2) - الصادق عبد الرحمن الغرياني، الحكم الشرعي بين العقل و النقل، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط: 1989، ص 325.
(3) - أحمد بن تيمية، مجموع فتاوى، 21/ 300 وما بعدها.