المبحث الأول:
الإخلاص و الورع والتثبت في الفتوى
اتّصف الإمام الشاطبي بشدة تحريه في الاجتهاد، وتثبته في الفتوى، كما أنه كان يغلب عليه الزهد والورع والتمسّك بالكتاب والسنة، والنفور من البدع وأهلها [1] .
ولقد أدرك أبو إسحاق خطر الفتوى وأهميتها باعتبارها وِراثة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإخبارا عن الله تعالى؛ لذلك نجده يؤكد على حسن أخلاق المفتي الذي ينصّب نفسه لتعليم الناس؛ إذ يجب أن تكون أفعاله موافقة لأقواله؛ لأنه وارث النبي صلى الله عليه وسلم والمورِّث كان قدوة بقوله وفعله مطلقا [2] ، «فإذا خالف فقد خالف مقتضى المرتبة» [3] ، فقول الشاطبي يعكس لنا خلقه المتمثل في حرصه على التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم، و يؤكد هذا ما جاء في إحدى فتاويه حيث قال: «يجب علينا أن نتأدب بما أدب الله به نبيه صلى الله عليه وسلم، و ذلك أن نبثّ الحق إذا تعيّن علينا، وليس علينا أن نأخذ بمجامع الخلق إليه، إذ ليس ذلك إلينا بل الله وحده هو الهادي» [4] .
وكان قويًّا ثابتا على الحق مخلصا في دعوته لا يبتغي إلاّ رضا الله تعالى، ولا يبالي بسخط الناس والعامة عليه. كتب إلى أحد الدعاة حين شكا إليه انصراف الناس عنه وتألبهم عليه قائلا: «وقول من قال لكم لا تعمل إلاّ بما يرضى الناس، ويكفي في جواب هذا القول ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من التمس رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط الناس عليه، ومن التمس رضاء الله بسخط الناس رضي الله عنه و أرضى عنه الناس) ، والسلام» [5] .
(1) - وصفه التنبكتي بأنه كان: «ثبتا ورعا صالحا زاهدا سنيا ... مع التحري والتحقيق» . نيل الابتهاج، ص 48.
(2) - انظر: الموافقات، 4/ 181.
(3) - المصدر نفسه، 4/ 187.
(4) - الفتاوى، ص 182.
(5) - المصدر نفسه، ص 184.