كما أنه كان مؤمنا بأنّ إعلان الحق أمانة في عنقه ومسؤولية يجب القيام بها، إذ يؤكد في إحدى أجوبته قائلا: «إنّ إعلان الحق في زماننا عسير، فذلك حق ولكنه واجب على من قلّده الله من طريق الفقه قلادة فإنها أمانة في عنقه حتى يؤديها ... » [1] ، إلى أن يقول: «فكيف لنا بالسكوت عن الحق ... » [2] .
وقد ثابر الشاطبي وحرص على اتباع الحق؛ لإيمانه بأن الله تعالى لا يضيّع أجر من عمل صالحا، و أن من قصد وجه الله تعالى بعمله و صبره فإن العاقبة للمتقين، وفي هذا يقول لأحد أصحابه: «و على الجملة فالزمان زمان وقوع ما أخبر عنه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: و أن المتمسك فيه بدينه كالقابض على الجمر، ولكن الأجر فيه بحول الله جزيل و رب العزة بحفظ الحوزة كفيل، فلا عليكم فإن الله معكم ما قصدتم وجه الله بأعمالكم ... ورضى المخلوق لا يُغني من الله شيئا و الله سبحانه يتولاّني وإياكم بما تولى به عباده الصالحين ... فاصبر لها فإن العاقبة للمتّقين» [3] .
وهناك فتوى أخرى تكشف لنا عن كيفية تعامل الشاطبي مع أفراد مجتمعه، وهي وإن كانت نصيحة توجّه بها لأحد أصحابه؛ فإنها تعكس جانبا من أخلاقه حيث يقول: «فمن جاءك مسترشدا فعلّمه ما علمك الله، ومن جاءك مستشكلا لأمر و عرفت من مخايله الصدق فأرشده لما عندك من الصواب، أو قل: لا أعلم؛ ومن جاءك متعنّتا فأعره الأذن الصمّاء، واسئل [4] ربك اللطف الجميل، ومن أتاك يخبرك بما فيك فاعلم أنه في الغالب نمّام، ينمّ عليك كما ينم لك فلا تثق به، ولا تتلقّف كلام الناس، فإنه مما يوقع العداوة و البغضاء بين المؤمنين ... وكل من عاملك بشرٍّ فعامله بخير ومن قطعك فصله ... » إلى أن يختم فتواه بقوله: «فالتزم يا أخي هذه الوصاة ولا تطلب الناس بما ليس لك ... » [5] .
(1) - الفتاوى، ص 184.
(2) - المصدر نفسه، ص 185.
(3) - المصدر نفسه، ص 185، 186.
(4) - الصحيح:"واسأل".
(5) - الفتاوى، ص 183.