فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 364

من هذا النص نستشف أن الشاطبي يؤكد على ضرورة اتّصاف المفتي بالأخلاق الفاضلة، فالعلم وحده لا يكفي، بل يجب أن يكون قدوة في نفسه وهذا الذي أشار إليه في الموافقات فقال: «من كان منهم في أفعاله وأقواله وأحواله على مقتضى فتواه، فهو متصف بأوصاف العلم، قائم معه مقام الامتثال التام، حتى إذا أحببت الاقتداء به من غير سؤال أغناك عن السؤال في كثير من الأعمال» [1] .

ولما كان من شروط المفتي التدرّب على الفتوى و ممارستها، حرص الشاطبي على حضور مجالسها مع شيوخه و واظب على ذلك، فقد ذكر في إحدى فتاويه أن بعض شيوخه كان يعرض عليه الفتاوى التي كان يستفتيه الناس فيها، فيعرضها على تلميذه - الشاطبي - ليطمئن و يتأكد من صحة فتواه قبل أن يظهرها لهم، و كان على رأسهم: أبو عبد الله الحفّار [2] .

وأجاب أحد المستفتين قائلا: «كنا نسمع من الشيوخ ما قلتم و اعتقدتم، ثم وجدنا للمازري في مسائل سئل عنها ما يشعر بالجواز، فكنا نتذاكر به من غير جزم بالقضية لإشكال ذلك الكلام» [3] ، و هذا يدل على أنه كان يتذاكر مع شيوخه و أصحابه كتبَ الفقه و كذا المسائل والنوازل و منها مسائل المارزي.

كما ذكر في الإفادات والإنشادات أنه حضر يوما بالمسجد الجامع بغرناطة عندما قدّم الأستاذ القاضي أبو عبد الله المقرّي، وقد جمع ذلك المجلس مجموعة من أكابر الشيوخ وجماعة من الطلبة، فكان من جملة ما جرى أن قال القاضي أبو عبد الله المقري: «سئلت عن مسألة من الأصول لم أجد فيها نصا، وهي: تخصيص العام المؤكد بمنفصل فأجابه الشاطبي - من بين الحاضرين و هو ما يزال طالبا - فقال: «فأجبته بالجواز محتجا بقوله تعالى: {قل إنما حرّم ربّي الفواحش ما ظهر منها و ما بطن} [4] فهذا عام مؤكد، و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لم يحُِل الله من الفواحش إلاّ مسألة الناس) » [5] .

(1) - الموافقات، 4/ 199.

(2) - الفتاوى، ص 167.

(3) - المصدر نفسه، ص 161.

(4) - الأعراف: 33.

(5) - الإفادات و الإنشادات، 4/ 127.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت