يبدو واضحا أنّ الشاطبي أدرك أهمية التدرّب على الفتوى؛ لأن بها يعرف المفتي كيف يطبق النصوص على النوازل وكيف ينّزل الأحكام على الحوادث وكيف يدرج الجزئيات والفروع ضمن كلياتها وقواعدها العامة؛ خاصة و أن «الوقائع المفروضة لا تختص بزمان دون زمان» [1] ، فهي لا تنتهي إلاّ بانتهاء الحياة الدنيا.
وقرر أن «العالم إذا لم يشهد له العلماء، فهو في الحكم باق على الأصل من عدم العلم، حتى يشهد فيه غيره، ويعلم هو من نفسه ما ُشهِد له به» [2] .
بالإضافة إلى هذه الصفات هناك صفات وشروط أخرى توفّرت في الشاطبي أهلته لتولي الفتوى والإقبال عليها أهمها: تمكّنه من علم الوسائل والمقاصد، فقد عكف على العلم والتحصيل بدءًا بعلوم الوسائل ثم علوم المقاصد، ولم يكتف بفن دون آخر، بل حرص على تحصيل العلوم حتى يتمكّن من إدراك مقاصد الشريعة وأحكامها وصرّح بذلك في مقدمة كتابه الاعتصام [3] ، كما يُفهم ذلك من كتاباته في شروط المفتي في الموافقات حيث قال: «إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين؛ أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها، والثاني: التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها» [4] .
وكان يتثبّت في فتواه ولا يتسرّع في الجواب، فقد سُئِل عن حكم مسألة في القسمة فقال فيها: « ... فلا أعرف حكم هذه القسمة» [5] ، مقتديا في ذلك بالسلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء كالإمام مالك [6] - رحمه الله -، فقد كان هذا الأخير كثيرا ما يتوقف في المسائل بقوله: «لا أدري» احتياطا
(1) - الموافقات، 4/ 75.
(2) - الاعتصام، 2/ 235.
(3) - الاعتصام، 1/ 17.
(4) - الموافقات، 4/ 76.
(5) - الفتاوى، ص 162.
(6) - ذكر الشاطبي في الموافقات الصفات التي تحلى بها الإمام مالك حتى يُتخذ نبراسا لسائر العلماء الذي يتولون الإفتاء. انظر: الموافقات، 4/ 210 و ما بعدها.