الفتيا - كالرواية - عداوة المفتي للمستفتي ولا قرابته له؛ لأن المفتي مخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص، فكان كالراوي؛ لأن فتياه لا يرتبط بها إلزام [1] .
وسأتعرض لبعض هذه الشروط بتفصيل مختصر:
-البلوغ و العقل: أول صفات المفتي الذي يلزم قبول فتواه: أن يكون بالغا؛ لأن الصبي لا حكم لقوله، ثم يكون عاقلا؛ لأن العلم مرفوع عن المجنون لعدم عقله [2] ، فلا يكفي البلوغ وحده مع عدم العقل، ولا يكفي العقل وحده دون بلوغ؛ لأن البلوغ مظنة نضج العقل، ولذلك عُلّق به التكليف، والتكليف إنما يقوم على القابلية على فهم الخطاب الشرعي وأحكام الشريعة، والإفتاء يحتاج إلى قدر أكبر من الفهم، فيستلزم العقل من باب أولى.
-العدالة: و يشترط في المفتي أن يكون عدلا، والعدالة هيئة يكون عليها المسلم، من مقتضياتها ولوازمها فعل المطلوب شرعا وترك المنهي عنه شرعا، وهجر ما يخرم المروءة و يوقع في التهم والشكوك، وأن تكون أخلاق صاحبها على النحو اللائق بعلماء الإسلام، هذا وإن ما يناقض العدالة ليس على درجة واحدة من القبح وشدة المناقضة، و لهذا كان بعضها مسقطا للعدالة دون بعض، فالمسقط منها مثل القول على الله و رسوله بغير علم، إما عن طريق الابتداع في الدين أو بالتأويلات الفاسدة ظاهرة الفساد والبطلان ومثل مجاراة الظلمة والإفتاء لهم بما يشتهون، فكل ما أسقط المروءة أسقط العدالة [3] .
(1) - محمد سليمان الأشقر، الفتيا ومناهج الإفتاء، الأردن، دار النفائس، ط 3، 1993، ص 39؛ وانظر: صفة الفتوى، ص 29؛ المجموع، 1/ 69.
(2) - الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، 2/ 156.
(3) - عبد الكريم زيدان، نظام الإفتاء، ص 46، 47؛ وانظر: صفة الفتوى، ص 13؛ ابن أمير الحاج، التقرير والتحبير، 3/ 96؛ ابن حجر، شرح نخبة الفكر، دمشق، مكتبة الغزالي، ص 31، 32.