فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 364

المبحث التاسع

اعتبار مقاصد المكلّفين

ومراعاة الشاطبي لمقاصد المكلفين ونيّاتهم موضوع فرعي عن اعتداده بالغايات و المقاصد، وهو قسيم لتعليل الأحكام بالحِكم و المصالح؛ إذ أن المعتبر في - أفعال المكلفين - عند العلماء هو توافق نية المكلف و قصده مع قصد الشارع في وضع التكاليف؛ لأنه بنى نظريته العامة للشريعة الإسلامية على أساس التوافق والتناسق بين مقاصد الشارع ومقاصد المكلفين، وبما أن ثمرة تصرفات المكلفين وأفعالهم تتأثر بنيّاتهم ومقاصدهم - سلبا و إيجابا - وجب الربط بين هذه المقاصد ومقاصد الشارع، وعليه أكّد الشاطبي أن قصد الشارع من المكلف: هو أن يكون قصده في أفعاله موافقا وتابعا لقصده تعالى من التكليف، والفعل لا يحكم بصحته وجوازه إلاّ إذا كان على أصل المشروعية في ظاهره و باطنه؛ لأن الأحكام ليست مقصودة لأنفسها، و إنما قصد بها المصالح التي شُرّعت من أجلها، فإذا كان العمل في ظاهره مشروعا؛ لكنه في باطنه على غير ذلك كان غير صحيح و غير مشروع؛ لأن المشروعات وضعت لتحصيل المصالح و درء المضار، فإذا خولفت لم يكن في تلك الأفعال المخالفة جلب مصلحة أو درء مفسدة.

و لقد افتتح الشاطبي كلامه عن مقاصد المكلف في التكليف بقوله: «إنّ الأعمال بالنيات، و المقاصد معتبرة في التصرّفات من العبادات و العادات والأدلة على هذا المعنى لا تنحصر» [1] .

ثم قال في المسألة الثانية: «قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع، و الدليل على ذلك ظاهر من وضع الشريعة؛ إذ قد مرّ أنها موضوعة لمصالح العباد على الإطلاق والعموم، و المطلوب من المكلف أن يجري على ذلك في أفعاله، وأن لا يقصد خلاف ما قصد الشارع» [2] إلى أن يقول: «وأيضا قد مرّ أن قصد الشارع المحافظة على الضرورات وما رجع إليها من الحاجيات و التحسينيات و هو عين ما كلف به

(1) - الموافقات، 2/ 246.

(2) - المصدر نفسه، 2/ 251.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت