فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 364

الانحلال، و هذا هو الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة، فلا إفراط ولا تفريط» [1] .

وبعدها قرر الشاطبي أن من خرج عن الوسط هو مذموم عند الراسخين في العلم، ثم استدل بأحاديث نبوية نهى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم عن التشدد و الحرج، ثم ختم كلامه قائلا: «لأن المستفتي إذا ذهب به مذهب التعنت و الحرج بُغِضَ إليه الدين، وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة ... وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة، والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى، واتباع الهوى مهلك» [2] .

والمتتبع لفتاوى الشاطبي يجده يكره التكلف والتعسف، ويميل إلى اليسر والسماحة، ويظهر ذلك عندما سُئِل عن خلط أصفر الزعفران، وأصل الشعر بما ابيضّ منه، هل يكون ذلك من الغش أم لا؟ [3] ، فأجاب: «الذي ظهر لي على الجملة أنه لا يشك أنّ خلطه الأصفر في الزعفران غش، و أما أصول الشعر، وهو الأبيض الذي ذكرتم، فالأمر فيه عندي خفيف، لأنه يشبه عجم التين، وعراجين الزبيب وما أشبه ذلك، فلا ضرر فيه، و إن قلتم: إنه يزيد في الوزن، فالزيادة يسيرة مع أن مثل ذلك لازم في الزبيب و غيره، و لا مقال فيه، و إنما قطع الأبيض عندي كتنقية الزبيب من عجمه فمن فعله فحسن، و من لا فلا حرج، فإن رضيتم بهذا النظر من غير نص استند إليه في المسألة، وإلا فأنتم أعلم» [4] .

فزيادة و خلط الأصفر في الزعفران غش، و الغش حرام في الشريعة والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «من غشنا فليس منا» [5] .

ويبدو أن الشاطبي اعتمد على هذا الأصل.

(1) - الموافقات، 4/ 151.

(2) - الموافقات، 4/ 189.

(3) - الفتاوى، ص 149.

(4) - المصدر نفسه.

(5) - أخرجه ابن ماجه في السنن، كتاب: التجارات، باب: النهي عن الغش، ح:2225. (بيروت، المكتبة العلمية، 2/ 749) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت