أما خلط الزعفران بأصول الشعر وهو الأبيض منه، فهو عنده أمر خفيف حتى وإن زاد في الوزن، فالزيادة يسيرة غير كثيرة، وما كان يسيرا فهو معفو عنه في الشرع؛ لأنه لا ضرر فيه، وإنما الشريعة جاءت لدفع المشقة و الحرج عن المكلفين، فالمولى عز و جل يقول: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [1] .
وأما من أراد أن ينقّيه من الأبيض فذلك حسن، ومن لم يفعله لعدم قدرته فلا حرج؛ لأنها زيادة يسيرة معفوّ عنها.
وقد قاس ذلك على عجم التين و عراجين الزبيب، فالعجم و العرجون إذا زاد في وزن التين والزبيب، لا حرج في ذلك؛ لأنها زيادة قليلة فكذلك خلط أصفر الزعفران بما أبيضّ منه، فرُفِع الحرج.
ومن الفتاوى التي تدل على تغليب روح التيسير و التخفيف على التشدد والتعسير: مسألة الاشتراك في اللبن لاستخلاص جبنه و في الطعام لأكله [2] .
فأجاب الشاطبي بأنه إذا اجتمع الرفقاء و الأقارب و الجيران و جمعوا أطعمتهم لعجن أو طبخ أو غيرها بقصد الإعانة و الارتفاق، فهذا جائز؛ لأن جمعه تسهيل وتيسير وتعاون لا يُقصد بمثله قصد الربا ولا المزابنة، ولا غير ذلك من الممنوعات، فصح أن يغتفر الغرر اليسير والبسيط، وهذا له نظائر في الشريعة، وأصله من النقل قوله تعالى في مال اليتيم: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُم} [3] ، ففسّر العلماء المخالطة هنا بأنها ليست بشركة في أصل المال، وإنما هي كتعاشر الناس في السفر والحضر فيأكلون جميعا من طعام هذا وطعام هذا، فيكون لليتيم الطعام ولكافله مثله فيقتاتون منه، ولما جاء التشديد في أموال اليتامى لم يأمنوا أن يكون أكلهم من طعام اليتيم أكثر مما يأكله اليتيم من طعامهم، فسهّل عليهم إذا لم يقصدوا الإفساد؛ لأن في عزل طعام اليتيم وجميع ما يحتاجه عن طعام الكافل حرجا، والشرع قد جاء بالتسهيل، فأجاز العلماء مثل ذلك في طعام الأقارب والجيران.
(1) - البقرة: 286.
(2) - الفتاوى، ص 156 وما بعدها.
(3) - البقرة: 220.