وأما مسألة الاشتراك في اللبن فقد وجد لها الشاطبي مدخلا ورخّص فيها؛ لأن كثيرًا من الناس بحاجة إلى هذا الخلط، خاصة لمن كان له لبن قليل لا يخرج له منه جبن إذا انفرد ولم يخلطه بلبن غيره.
كما أن عادة الرعاة أن يذهبوا بمواشي الناس إلى أمكنة بعيدة، ولو حلبوا لكل واحد ممن له في الماشية شيء لم يمكنهم فضلا عن أن يعقدوا له جبنة على حدة، فهنا الحرج أشد على أصحاب الماشية والرعاة مما تقدم في مال اليتيم فاقتضى هذا الأصل جواز مسألة خلط الألبان بقصد رفع الحرج.
لذلك أجرى العلماء غير اليتيم في هذه الخلط مجراه طلبا للرفق و رفعا للحرج فأجرى الشاطبي هذه النازلة مجراها.
ثم ذكر أنه سُئِل عن مثل هذه المسألة فوجد في"العتبية"مسألة تشبهها، وهي: أن ابن القاسم سأل مالكا عن جماعة يجمعون الجلجلان والفجل، فيعصرونه مع بعض، فكرّه مالك ذلك لأن بعضهم يخرج أكثر من بعض؛ إلاّ أنه لما عرف حاجة الناس إليه أجازه؛ لأنه لابد لهم مما يصلحهم، و ذكر الشاطبي تعليق ابن رشد على هذه المسألة [1] ، ثم قال: «فهذا كله مما يدل على صحة ما ظهر لي في اللبن و الله أعلم و الظاهر جوازه عملا بهذا الأصل المقرر في المذهب» [2] .
و الملاحظ في هذه الفتاوى أن الشاطبي التزم التسهيل و رفع الحرج عن السائل، و هذا هو دأبه في باقي فتاويه، و يظهر لي أنه تمسّك في ذلك بوصية شيخه و أستاذه أبي سعيد فرج بن قاسم بن لب الذي أوصاه بعد أن أطلعه هو و أصحابه على بعض مستنداته في إحدى فتاويه نزع فيها إلى التخفيف، فقال: «أردت أن أنبّهكم على قاعدة في الفتوى، وهي نافعة جدا، ومعلومة من سنن العلماء، وهي أنهم ما كانوا يتشدّدون على السائل في الواقع إذا جاء مستفتيا» [3] .
قال الشاطبي بعد ذلك: «كنت قبل هذا المجلس تترادف عليّ وجوه الإشكالات في أقوال مالك وأصحابه، فلمّا كان بعد ذلك المجلس شرح الله بنور
(1) - الفتاوى، ص 159.
(2) - المصدر نفسه، ص 160.
(3) - الإفادات و الإنشادات، ص 153، 154.