ذلك الكلام صدري، فارتفعت ظلمات تلك الإشكالات دفعة واحدة، لله الحمد على ذلك» [1] .
و نهجُ الإمام الشاطبي التيسير و التخفيف في إفتائه لم يكن اعتباطا، و إنما هو اتجاه إلى التوسعة على الناس فيما لا يصادم نصا ثابتا محكما، ولا قاعدة شرعية فهو يسير مع النصوص والقواعد العامة الموافقة لروح الإسلام و مقاصده.
ويرى أن اليسر و التسهيل في الشريعة ليس مطلقا وإنما هو مقيّد بما هو جار على أصولها؛ لذلك لا تصح الفتوى بما يوافق هوى السائل وشهوته، فيميل إلى تتبع الرخص بإطلاق، و هذا مضاد للوسطية والاعتدال، و في ذلك يقول: «لأن الحنيفية السمحة إنما أتى فيها السّماح مقيّدا بما هو جار على أصولها، وليس تتبع الرخص ولا اختيار الأقوال بالتّشهي بثابت من أصولها ... ثم نقول: تتبع الرخص ميلٌ مع أهواء النفوس، والشرع جاء بالنهي عن اتّباع الهوى فهذا مضادٌ لذلك الأصل المتفق عليه» [2] ، و يضيف قائلا: «وهو أيضا مؤدٍّ إلى إيجاب إسقاط التكليف جملة، فإن التكاليف كلها شاقة ثقيلة؛ و لذلك سميت تكليفا، من الكلفة وهي المشقة، فإذا كانت المشقة حيث لحقت في التكليف تقتضي الرفع بهذه الدلائل لزم ذلك في الطهارات و الصلوات، والزكوات ... و غير ذلك، و لا يقف عند حدّ إلا إذا لم يبق على العبد تكليف، و هذا محال» [3] .
فاتباع الأقوال بالتّشهي، وتتبع رخص المذاهب يعتبر - عند الشاطبي - من المفاسد؛ لأن المذاهب الخارجة عن مذهب مالك في بلاد الأندلس مجهولة [4] ؛ ولذلك نجده أنكر على محمد بن يحيى بن لبابة عندما أفتى بغير مذهب مالك و اختار مذهب أهل العراق (الحنفية) في قضية الأمير الناصر الذي احتاج إلى شراء
(1) - المصدر نفسه، ص 154.
(2) - الموافقات، 4/ 105.
(3) - الموافقات، 4/ 108.
(4) - انظر: المصدر نفسه، 4/ 106.