مجشر [1] من أحباس المرضى بقرطبة بعدوة النهر، فشكا إلى ابن بقي أمره وضرورته إليه، لمقابلته متنزّهه و تأذّيّه برؤيتهم أوان تطلّعه من علاليه، فقال له تكلم مع الفقهاء فيه، وعرّفهم رغبتي و ما أجزله من أضعاف القيمة فيه، فلعلهم أن يجدوا لي في ذلك رخصة. فتكلم معهم ابن بقي فلم يجعلوا إليه سبيلا؛ إلاّ أن ابن لبابة أفتى بغير ذلك فقال: أما قول إمامنا مالك ابن أنس فالذي قاله أصحابنا الفقهاء.
و أما أهل العراق: فإنهم لا يجيزون الحبس أصلا، و هم علماء أعلام يقتدي بهم أكثر الأمة؛ و إذا بأمير المؤمنين من الحاجة إلى هذا المجشر ما به فما ينبغي أن يردّ عنه وله في السنة فسحة، و أنا أقول فيه بقول أهل العراق، و أتقلّد ذلك رأيا؛ إلاّ أن الفقهاء انتقدوه لترك مذهب مالك و أخذه بمذهب أهل العراق.
فردّ عليهم قائلا: ناشدتكم الله العظيم، ألم تنزل بأحد منكم مُلِّمَةٌ بلغت بكم أن أخذتم فيها بقول غير مالك في خاصة أنفسكم، و أرخصتم لأنفسكم؟ قالوا: بلى قال: فأمير المؤمنين أولى بذلك، فخذوا به مآخذكم، و تعلّقوا بقول من يوافقه من العلماء، فكلهم قدوة، فسكتوا [2] . فأُخِذ للأمير بهذه الفتوى.
ثمّ علّق الشاطبي على هذه الفتوى قائلا: «فتأملوا كيف اتباع الهوى، و أولى أن ينتهي بصاحبه فشأن مثل هذا لا يحل أصلا من وجهين؛ أحدهما: أنه لم يتحقق المذهب الذي حكم به؛ لأن أهل العراق لا يبطلون الإحباس [3] هكذا على الإطلاق، ومن حكى عنهم ذلك؛ فإما على غير تثبيت، و إما أنه كان قولا لهم رجعوا عنه، بل مذهبهم يقرب من مذهب مالك حسبما هو مذكور في كتب الحنفية.
والثاني: أنه إن سلمنا فلا يصح للحاكم أن يرجع في حكمه في أحد القولين بالمحبة، والإمارة أو قضاء الحاجة، إنما الترجيح بالوجوه المعتبرة شرعا، و هذا
(1) - يقال: حوض لا يستقى فيه لجشره، أي: لوسخه و قذره. و مجشر كثير الجشر هو ما يلقيه البحر من الأوساخ، انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، دار إحياء التراث العربي، ط 2، 1/ 124.
(2) - انظر: الموافقات، 4/ 99، 100؛ الاعتصام، 2/ 421، 422.
(3) - الأصح: الأحباس.