فهرس الكتاب

الصفحة 321 من 364

يميلون بطبعهم إلى الوضوح والبساطة وينفرون من النظريات الفلسفية المعقدة، والتأويلات البعيدة المتكلّفة على عكس بيئتي العراق والشام. أما العامل الجغرافي يتمثل في انتماء مالك للمدينة المنورة التي تعد إحدى الديار الثلاثة المقدسة التي لا تشدّ الرحال إلاّ إليها، وكانت الرحلة إلى هذه البلاد من أجل طلب العلم وآداء فريضة الحج، وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فتيسر لهم اللقاء بالإمام مالك قبل الرجوع إلى الأندلس.

أما العامل السياسي، فيتمثل في إدراك السلطان مزية ما كان عليه مذهب مالك من الجمع بين مذهبي أهل السنة في الأصول والفروع، مما حفزه على تبنيه مذهبا رسميًا للدولة لتحقيق الوحدة العقدية و الفكرية، وبالتالي القضاء على الخلافات، أما ادعاء أنّ مذهب مالك انتشر بقوة السيف فهذا غير صحيح ومجانب للحقيقة.

الفتوى في الأندلس من أهم الوظائف الشرعية التي اهتم بها العلماء والأمراء على حد سواء؛ لذلك حرصوا على أن يكون المفتي في مستوى هذه المسؤولية فلا يُقلد أحدٌ حتى تطول مدة اختباره و تدرّبه، وتُعدد له مجالس المذاكرة ويواضب على حضور مجالس الشورى بين الفقهاء والقضاة.

اشترط علماء المدرسة الأندلسية على من تولى منصب الإفتاء أن يعتمد على الكتب المشهورة والمأثورة عن أئمة المذهب لبعدها عن التحريف، وحذّروا الإفتاء من الكتب الغريبة والشاذة.

تميّزت الفتوى في المدرسة الأندلسية بعدة خصائص ومميزات أهمها:

1 -التزم المفتون في إفتائهم بالمذهب المالكي وجروا على قواعده في الأخذ بالأقوال والروايات واستنباط الأحكام، فاعتمدوا بعد قول الإمام مالك قول عبد الرحمان بن القاسم؛ لأنه لازم مالكا أزيد من عشرين سنة ولم يفارقه إلى أن توفي، فالتزموا رأي ابن القاسم ولم يخرجوا عنه في فتاويهم إلى رأي غيره حتى أصبح ذلك عرفا ساريا. كما كانوا يراعون في فتاويهم ألاّ يخرجوا عن القول المشهور والراجح إلاّ في حالات معيّنة.

2 -لقد تمسّك الأندلسيون بمذهب مالك؛ لكنهم لم يلتزموا الإفتاء به في جميع النوازل؛ لأنّ تطبيقه في بعض الحالات قد يؤدي إلى العنت والمشقة، فيضطر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت