المفتي للاستعانة باجتهادات المذاهب الأخرى، وهو بذلك لم يخرق أصول المذهب ولا خرج عنها بل راعى دليل المخالف، الذي يُعرف في المذهب المالكي بـ"مراعاة الخلاف"، فهذه الميزة تعتبر من أهم العوامل الإيجابية في جعل المفتي الأندلسي متفتحا على غيره من المذاهب؛ لذلك خالفوا مذهب مالك في عدة مسائل، فجرى بها العمل بالأندلس، وفي هذا ردٌ قويّ على المستشرق سانشيت البرنوث والمستشرق أسين بلاثيوس ... وغيرهما ممن اتهموا فقهاء الأندلس بالجمود والتعصّب للمذهب المالكي.
3 -عايش المفتي الأندلسي القضايا الاجتماعية والسياسية التي كانت في مجتمعه، فقد كانت فتواه مرتبطة بالواقع ارتباطا وثيقا، فاستطاع المذهب المالكي أن يثبت قدرته على التكيّف مع الأحوال المتغيّرة بالأندلس، ذلك لأنه راعى أعراف الناس ومصالحهم و اتّصف بواقعية كبيرة ومرونة واسعةساهمت في بقائه قوةً حيوية استفادت منه القوانين الوضعية الحديثة العربية منها و الغربية كالقانون الفرنسي والإسباني والبرتغالي، كما شحذ همم المستشرقين لدراسته وتحقيقه ونشر كتبه على نطاق واسع، فاستفادوا منه في التقنين دون غيره من المذاهب.
4 -اعتمد المفتون على أمهات المصادر المالكية كالمدونة، والعتبية، والواضحة، والبيان والتحصيل، وغيرها من كتب الفروع، في حين ضعف اعتمادهم على الكتاب والسنة مما جعل فتاويهم تتسم بطابع التقليد، وبقيت وضعية الفتوى على هذه الحالة إلى أن جاء مجموعة من الفقهاء والمجتهدين الكبار كابن عبد البر، وابن العربي، وابن رشد الحفيد، والشاطبي ... فاعتمدوا على القرآن والحديث النبوي وشنّعوا على هؤلاء لإسرافهم في الرجوع إلى كتب التفريع.
5 -ساهم فقهاء المدرسة المالكية بالأندلس في تدوين الفقه المالكي وجمع أقوال علمائه واجتهاداتهم، فتعهدوها بالشرح والتعليق، وجمعوها في مؤلفات عظيمة تميّزت بحسن التصنيف والتبويب، تدلّ على المستوى الراقي الذي وصل إليه هؤلاء الأعلام، فنالت مكانة رفيعة بين مصنفات الفقه المالكي، ومن أبرزها: الواضحة، والمستخرجة، والمقدمات لابن رشد الجد، والبيان والتحصيل، والموافقات، والكافي لابن العربي، و المنتقى للباجي، والتمهيد لابن عبد البر .... فكانت من أمهات المذهب المعتمدة.