إن الإمام الشاطبي نشأ مالكيا و أصبح من أكابر علماء المذهب المتأخرين، فبلغ درجة الاجتهاد في المذهب إلى التحقيق بالعلوم. و هو المعوّل على فتاويه في الحلال والحرام؛ لذلك كانت متابعته دقيقة في فهم معاني النصوص الشرعية والعمل بها على ضوء المقاصد.
وضع الشاطبي منهجا حكيما للأخذ بالدليل سواء كان نصا أم أثرا أم معقولا، ويظهر من منهجه العناية الوافية بالدليل، و الأخذ به وفق الطرق الصحيحة التي سلكها سلف الأمة لتحقيق الأحكام الشرعية، ومقاصدها عن طريق الدليل الشرعي، حيث إن الشريعة شاملة لجميع الأحكام فلا يتوصل إليها إلاّ بأدلة شرعية و ما يتوصل إليه بهذه الأدلة فهو شرعي، وكل دليل شرعي صحيح يوافق المعقول الصحيح.
تميّز الإمام بحرية فكره فقد بذل قصارى جهده؛ لإبراز هذه الميزة في فتاويه فكسر بذلك التقليد والجمود الفكري، و اتّجه إلى النظر في النصوص و الأخذ بها و تطبيقها في واقع الحياة، فلم يقصر العلم على ما عرفه من أئمة المذهب وأعلامه؛ بل كان يستشهد بآراء أئمة من خارج المذهب كالإمام الغزالي ...
كما اتّسم منهجه بالتيسير و رفع الحرج مراعاةً للمصالح، و هذا التصوّر لمنهج التشريع ربما لا يخفى من حيث المبدأ على من له إلمام بسيط بعلوم الشرع، فالإمام الشاطبي بملكته الإدراكية للنصوص الشرعية ومقاصد الشريعة استطاع أن يخرج بآراء تتفق و الأهداف العامة للتشريع القاضية بأداء كل ما طلبه الشارع و الامتناع عما نهى عنه بالقسط و اليسر دون شطط و لا ظلم. و هذا التيسير والعدل في مفهوم الشاطبي لا يعني تغليب هذا الجانب على الجوانب الأخرى التي يتطلب الأمر فيها التزام الحذر والشدة أحيانا كما إذا كان الأمر يتعلق بالابتداع في االعقائد والعبادات ... ؛ بل المراد أن يكون التيسير بالقدر الذي لا يفضي إلى انخرام مقاصد الشريعة؛ وإلاّ لزم ارتفاع جميع التكاليف أو أكثرها. فهذا هو الطريق الوسط الذي جاءت به الشريعة.
تميّز منهجه في غالب فتاويه بالإسهاب و الاستطراد بقصد البيان والتوضيح وإظهار الحق، ومتى كان ذلك هو المقصود، فالشاطبي لا يحسن عنده تأخير البيان عن وقت الحاجة، و أحيانا يختصر الكلام في مسألة ما؛ لعدم مناسبة المقام أو لاشتهار الجواب عنها و هكذا ...