كما اهتم الشاطبي بالتطبيق الفعلي لقواعد الفقه و أصوله كقاعدة:"العبرة بالمقاصد والمعاني لا بألفاظ والمباني"، و"البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر"، و قواعد الضرورة ... وغيرها، فكان حريصا على أن تظل القواعد و الأصول حية مطبّقة فعلا في ميادينها. و متى كان كذلك فإنه يعطي لتلك المواد روحها، وتكون مفهومة واضحة في مجالها، و بهذه الطريقة تُفهم هذه الأصول والقواعد و تكون واضحة المعاني.
فقه الإمام الشاطبي فقه واقعي قائم على اعتبار الواقع، وحل مشاكله ونزاعاته في ظل التشريع الإسلامي، وقد ساهم هذا في القضاء على ظاهرة الفقه الفرضي الذي ناءت بأعبائه الكتب - بل استنزفت الجهد والوقت معا - وكان بابا لتلك القيود والآصار والشواذ والنوادر في المسائل التي أثّرت في الفقه سلبا وأقصته عن حياة الناس الواقعية، بطاقاتها و حدود إنسانيتها؛ لذلك يجب على المفتي أن تكون علاقته بالمجتمع الذي يعيشه علاقة وطيدة حتى تكون آراؤه آراء عالم خبير بأحوال النفوس دارسا لها، متعمّقا في فهمها، فاحصا لأحوال عصره، عارفا بظروفه؛ لأنّ آراءه وفتاويه هي مواقف يسترشد بها المجتمع في سعيه للتغيير، فلا يقتصر ضررها على الفرد بل يتجاوزه إلى الأمة.
فمعايشة الشاطبي لواقع مجتمعه حفزته للأمر بالمعروف و النهى عن المنكر وردّ البدع ومحاربها؛ وهذا من أولويات جهاده و ذوده عن السنة الصحيحة.
راعى الإمام في إفتائه أعراف المستفتين و عاداتهم: فالعرف عنده ذو منزلة تشريعية عظيمة، لكونه دليلا من جملة الأدلة التي بنى الله عليها الأحكام، و ما جرى به العرف فهو بمثابة ما تم اشتراطه؛ لذلك جعله أحد القواعد الأساسية التي يعتمد عليها في فتاويه خاصة في نوازل الأيمان، والطلاق، والمعاملات، وقرّر أنّ الأحكام تتغيّر بتغيّر العادات والأعراف.
اختار الشاطبي في بعض فتاويه المشهور من أقوال المالكية؛ بناءً على قاعدة مصلحية ضرورية، إذ قلّ الورع والديانة فيمن ينتصب لبث العلم والفتوى، فأراد بذلك الحفاظ على مصالح الناس ومجانبة التشويش على العامة وسد باب الفتنة والفوضى في الفتوى والقضاء، ولقد قدّم المشهور على الضعيف والشاذ في الأحوال العادية، وقرر ذلك أصلًا وقاعدة عامة؛ إلاّ أنه في حالة الضرورة ووقوع الحرج لم يجد بدا من العدول عن مشهور المذهب، واللجوء في أفتائه إلى القول المرجوح