مراعاةً لمصلحة المستفتي التي لم يتعلّق بها غرض شخصي أو اتباع للهوى، وفي هذا قطع لدابر الفساد والبغي.
اعتمد الشاطبي في فتاويه على كتب المتقدمين المشاهير، المعلوم حالها والمأمونة من النقول الغريبة، أما كتب المتأخرين فلم يأخذ عنها، إذ يرى أن أصحابها أفسدوا الفقه لما أدخلوا عليه المختصرات، وتساهلوا في النقل من أيّ كتاب ومن دون تمحيص، لذلك أنكر على الذين يعتمدون في فتاويهم على المختصرات الغريبة، وهذا يدل على تحريه ودقته في النقل، وتثبته من صحة الروايات.
ربط الشاطبي اجتهاده بمقاصد الشريعة، ورأى أنّ كل غافل عنها في حكمه وفتواه يؤدي به إلى الزلل والانحراف؛ لذلك وجب مراعاة المصالح حتى يمكن معالجة المستجدات والحوادث في إطار الشريعة عبر حدود الزمان والمكان.
تميّز الشاطبي ببعد نظره حيث كان ينظر في فتاويه إلى مآلات الأفعال التي هي محل الحكم والفتوى، فقبل أن يبيّن رأيه في النازلة ينظر إلى آثار ذلك الحكم، فإن كان محققا للمصلحة أمضاه، وإن كان مؤديا إلى مفسدة منعه.
اعتبر الشاطبي الذرائع قاعدة مآلية بالنظر إلى ما تفضي إليه مقاصد الأحكام التكليفية؛ لأنّ هذه القاعدة تحسم سبل التذرّع بما هو جائز إلى ما يناقض مقصود الشرع، فالشريعة مبنية على الاحتياط، والأخذ بالحزم والتحرّز مما عسى أن يكون طريقا إلى مفسدة، وهو أصل من أصول الشريعة راجع إلى ما هو مكمّل إما لضروري أو حاجي أو تحسيني؛ لأنّ سد الذرائع ماهو إلا تطبيق عملي من تطبيقات العمل بالمصلحة، وهذا النوع من التفكير الفقهي جعل المذهب المالكي خصبا لا يجمد على ظواهر الأمور، بل يحكم عليها ببواعثها وغاياتها، ويعطي الوسائل حكم المقاصد تحليلا و تحريما.
راعى الشاطبي في فتاويه مقاصد المكلفين ونياتهم؛ لأنه بنى نظريته العامة للشريعة الإسلامية على أساس التوافق والتناسق بين مقاصد الشارع ومقاصد المكلفين، خاصة وأنّ ثمرة تصرّفاتهم وأفعالهم تتأثّر بنيّاتهم ومقاصدهم - سلبا وإيجابا -؛ لذلك وجب الربط بين هذه المقاصد ومقاصد الشارع، وعليه أكد الشاطبي أن قصد الشارع من المكلف هو أن يكون قصده في تصرفاته موافقًا وتابعا لقصده تعالى من التكليف.