فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 364

مناطه فيها بما أنه يجتهد أحيانا بالاستنباط فيكون مبلغا ومخبرا عن الله تعالى كالنبي صلى الله عليه وسلم [1] .

وتتأكد أهمية الفتوى وخطرها من جهة أخرى؛ ذلك أن هذا المنصب تولاه سبحانه و تعالى بنفسه إذ يقول: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ} [2] .

فالصحابة استفتوا النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكل الله تعالى إليه الفتوى، بل تولاها بنفسه وأسندها إلى ذاته المقدسة.

ولذلك كان الإفتاء عظيم الخطر، بعيد الأثر في حياة الفرد و الأمة، فالفقهاء الذين دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام، والذين خُصّوا باستنباط الأحكام وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام، هم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء بهم يهتدي الحيران، وحاجة الناس إليهم عظيمة؛ وإذا كنا لا نتصور الاستغناء عن الأطباء بادعاء أنّ النّاس يمكنهم النظر في كتب الطب والأخذ ما يلزمهم منها، فكذلك - هنا - نقول: إنه ليس بالإمكان استغناء الناس عن المفتين، فأُثبِت للعلماء خصيصة فاقوا بها سائر الأمة، لما هم بصدده من أمر الفتوى؛ يقول صلى الله عليه وسلم: (العلماء ورثة الأنبياء) [3] ، واستنادا إلى هذا الحديث يقرر الشاطبي: «أن المفتي قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم» [4] .

فنظرا لأهمية هذا المنصب ارتأيت أن أجعل مدخلا تمهيديا أتناول فيه الجوانب المهمة المتعلقة بالإفتاء، ولست أدعي أني ذكرت كل الأحكام المتعلقة بالفتوى بل اقتصرت على الخطوط العريضة فقط، التي ستساعدني فيما بعد على فهم منهج الإمام الشاطبي، فقد كُتِب في هذا الموضوع مصنفات كثيرة، فمن أراد أن يتوسع فليعد إلى مظانها، ولم أرد أن أطيل المقال لضيق المقام.

(1) - الشاطبي، الموافقات، شرح: عبد الله دراز، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 3، 2003، 4/ 178، 179.

(2) - النساء: 176.

(3) - أخرجه أبو داود في سننه، ح:3641 (3/ 317) ؛ وابن حبان في صحيحه، ح 88. (1/ 289) .

(4) - الموافقات، 4/ 178.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت