فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 364

ج- الطائفة الثالثة: اعتقدت صحة مذهبه بما بان لها أيضا من صحة أصوله، فأخذت نفسها بحفظ أقواله وأقوال أصحابه في مسائل الفقه، ثم تفقهت في معانيها فعلمت الصحيح منها الجاري على أصوله من السقيم الخارج عنها، وبلغت درجة التحقيق بمعرفة قياس الفروع على الأصول، لكونها عالمة بأحكام القرآن، عارفة بالناسخ والمنسوخ، والمفصل من المجمل، والخاص من العام، عالمة بالسنن الواردة في الأحكام، مميزة بين صحيحها من معلولها، عالمة بأقوال العلماء من الصحابة والتابعين، وبعدهم من فقهاء الأمصار، وبما اتفقوا عليه واختلفوا فيه، عالمة من علم اللسان بما يفهم به من معاني الكلام، عالمة بوضع الأدلة في مواضعها؛ وهذه هي التي يصح لها الفتوى عموما [1] .

ويلاحظ على تقسيم ابن رشد لمراتب الفقهاء أنه اقتصر على ذكر ثلاث مراتب فقط، ولم يُشر إلى المجتهد المطلق المستقل، والمطلق المنتسب؛ ذلك لأن المرتبة الأولى لم تكن موجودة إذ لم يبق في عصره اجتهاد في الأصول، ومناهج الاستدلال والاستنباط، وإنما الذي بقي هو التفريع، أما مرتبة"المجتهد المطلق المنتسب"فلم يذكرها؛ إلاّ أن هناك من أدرج فيها ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب [2] ، ويلاحظ أن ابن رشد قد استرسل في شرح هذه المراتب نظرا لخطورة منصب الإفتاء وأهميته.

وقد نقل ابن فرحون عن المازري: أن الذي يتصدى للفتوى، أقل مراتبه أن يكون قد استبحر في الاطلاع على روايات المذهب، وتأويل الأشياخ لها، وتوجيههم لما وقع من الاختلاف فيها وتشبيههم مسائل بمسائل سبق إلى الذهن تباعدها، وتفريعهم بين مسائل يقع في النفس تقاربها [3] .

(1) - الونشريسي، المعيار 10/ 32 وما بعدها؛ والسنوسي، بغية المقاصد وخلاصة المراصد، ص 34،35.

(2) - انظر: أبو زهرة، أصول الفقه، ص 342 وانظر: مالك، له، ص 353؛ عبد السلام العسري، نظرية الأخذ بما جرى العمل به في المغرب في إطار المذهب المالكي، المغرب، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1996، ص 359.

(3) - ابن فرحون، تبصرة الحكام، القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، ط:1، 1986، 1/ 76.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت