فاجتهادات الإمام الشاطبي أسهمت في إثراء العطاء الذي قدّمته المدرسة المالكية بالأندلس في مجال الفقه والأحكام، وهي - بذلك - تعد ذخيرة يمكن للأجيال اللاحقة أن تستفيد منها فيما تواجهه من وقائع ومستجدات.
كما أكّدت أن الفقه الإسلامي قادر على مسايرة التطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ومعالجتها بمنظور إسلامي واعٍ ورصين، ففتاويه تعبّر عن أحداث واقعية - لا افتراضية - معاصرة للشاطبي حاول فيها تجديد الفكر الأندلسي وتحريره من قيود التقليد والتعصّب لآراء الرجال.
وهي تسجّل أيضا ما كان يحصل بين الشاطبي وبعض معاصريه من اختلاف في وجهات النظر، وكيف عُولِجت بعض الوقائع بطريقة علمية هادئة مؤيّدة بالدليل والحجة، فقلّما نجد كلمة قاسية أو عبارة جارحة أو لفظة استفزازية، مما يعد أنموذجا رائعا في الالتزام بأدب الاختلاف.
كما تحتوي على قيمٍ تربويةٍ أخرى، حيث دعا الإمام - من خلالها - إلى ضرورة تعلّم العلم وطلبه خاصة بالنسبة للمرأة سواء أكانت تسكن في البادية أم في المدينة؛ لتقوم هي بدورها بتعليم بنات جنسها أحكام القرآن والصلاة وكل الأمور الخاصة بها.
يقول في إحدى الفتاوى: «هذه المرأة إذا علّمت النساء والبنات ما لا بد لهن ّمنه في صحة الصلاة فحسن؛ لكن ذلك كله شرط أن تكون هذه المرأة عارفة بالقرآن كيف تقرأه وتُقرئه وتُؤديه كما أمر الله به من غير لحن ولا تحريف ولا تبديل، فإن كانت لا تقرأه ولا تؤديه إلا ّعلى اللحن والتغيير والتبديل فلا يحل لها أن تقرأه كذلك، ولا أن تعلّمه أحدا ... فيجب عليها أن تذهب إلى من يعلّمها ما تصلّي به ... » [1] .
وهذا النص يشير إلى قيمة تربوية أخرى وهي: أنه ينبغي لمن أراد أن يتولّى تعليم الناس، أو تربيتهم أو الإفتاء لهم، أن يكون متمكّنا من ذلك العلم وآدابه قبل أن ينصّب نفسه لتلك المهمّة.
(1) - الفتاوى، ص 122.
2 -المصدر نفسه، ص 123.