من المقرر أن الشريعة الإسلامية شريعة عامة خالدة وشاملة، جاءت ملائمة لسنن الكون وفطرة الإنسان، جامعة بين عنصر الثبات وعنصر المرونة والتطور، فقد وازنت بين هذين العنصرين في تناسق بديع، خاصة وأن الحياة البشرية أصبحت متغيرة سريعة التحوّل، سائرة في طريق التطور من قديم إلى جديد على غير نسق دائم، وبالأخص في عصرنا هذا الذي تضاعف فيه سير الحضارة واختلطت فيه الثقافات والأفكار فكان في سرعة التطور الذي سيطر على الإنسانية ما يشبه الحمى، وبهذا لم تقف الشريعة يوما مكتوفة جامدة عقيمة أمام وقائع الحياة المتغيرة ومشاكل المدنيات المعقدة، وإنما استطاعت «أن تفي بحاجات كل المجتمعات التي حكمتها، وأن تعالج كافة المشكلات؛ لأنها- بجوار ما اشتملت عليه من متانة الأصول التي قامت على مخاطبة العقل، والسمو بالفطرة، ومراعاة الواقع، والموازنة بين الحقوق والواجبات، وبين الروح و المادة، وبين الدنيا والآخرة و إقامة القسط بين الناس جميعا، وجلب المصالح والخيرات ودرء المفاسد والشرور، بقدر الإمكان - قد أودعها الله مرونة عجيبة جعلتها تتسع لمواجهة كل طريف، ومعالجة كل جديد، بغير عنت وإرهاق» [1] ، فهي لم تتعارض أبدا مع سير البشرية وتحولها بل كانت لينة واسعة الأفق، «فكان الثبات فيما يجب أن يخلد ويبقى، والمرونة فيما ينبغي أن يتغير و يتطور، وهذه الخصيصة ... لا توجد في شريعة سماوية ولا وضعية» [2] . فبالثبات [3] يقاوم المجتمع عوامل الانهيار والذوبان في الثقافات الأخرى، ويحفظ له تميزه واستقراره [4]
(1) - يوسف القرضاوي، مدخل لدراسات الشريعة، القاهرة، مكتبة وهبة، ط 1، 1997، ص 151.
(2) - يوسف القرضاوي، مدخل لمعرفة الإسلام، القاهرة، مكتبة وهبة، ط 1، 1996، ص 176.
(3) - على كل مسلم أن يعرف مجال الثبات والمرونة حتى لا يغير ما من شأنه الثبات والخلود، ويثبت ما من شأنه التطور والمرونة، وهذا خطير على حياة الأمة. انظر: القرضاوي، الصحوة الإسلامية، نشر بنك التقوى، ص 63.
(4) - انظر: محمد سعيد البوطي، مجمل الشبهات التي تثار حول تطبيق الشريعة الإسلامية في العصر الحديث، (الكويت، اللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية) ، ص 18 - 22؛ القرضاوي، الخصائص العامة للإسلام، الجزائر، دار الشهاب، ص 219؛ عمر سليمان الأشقر، خصائص الشريعة الإسلامية، الكويت، مكتبة الفلاح، ط: 1982، ص 58.