وكان العزّ بن عبد السلام من الذين استنكروا الأمر وعارضوه جهرة، لاعتقاده مخالفة ذلك للشرع، ولم يدم حكم شجرة الدرّ سوى 80 يومًا، إذ تنازلت على عرشها للأمير عز الدين أيبك الذي تزوّجته وبقيت تحكم من خلاله.
وبعد وصول قطز لسدّة الحكم في مصر، وظهور خطر التتار ووصول أخبار فظائعهم، عمل العزّ على تحريض الحاكم واستنفاره لملاقاة التتار الزاحفين.
ولما أمر قطز بجمع الأموال من الرّعية للإعداد للحرب، وقف العزّ بن عبد السلام في وجهه، وطالبه ألا يؤخذ شيئا من الناس إلا بعد إفراغ بيت المال، وبعد أن يخرج الأمراء وكبار التجار من أموالهم وذهبهم المقادير التي تتناسب مع غناهم حتى يتساوى الجميع في الأنفاق، فنزل قطز على حكم العزّ بن عبد السلام.
وقد وُصف الشيخ (رحمه الله) أيضًا بالزهد والورع الشديدين، كما وُصف بالبذل والسخاء والكرم والعطاء، والعطف على المحتاجين، مما يجعل من شخصيته رحمه الله نموذجًا رائعًا يُقتدى به في كل ميادين الحياة المختلفة.
شيوخ العز بن عبد السلام:
حضر أبا الحسين أحمد بن الموازيني، والخشوعي، وسمع عبد اللطيف بن إسماعيل الصوفي، والقاسم بن عساكر، وابن طبرزد، وحنبل المكبر، وابن الحرستاني، وغيرهم. وخرَّج له الدمياطي أربعين حديثًا عوالي. وتفقه على الإمام فخر الدين ابن عساكر.
تلاميذ العز بن عبد السلام:
روى عنه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، والدمياطي، وأبو الحسين اليونيني، وغيرهم.
مؤلفات العز بن عبد السلام:
للعز بن عبد السلام (رحمه الله) مؤلفات كثيرة، منها ما هو مطبوع ومنها ما هو مخطوط، فله كتاب الإلمام في أدلة الأحكام، وترغيب أهل الإسلام في سكنى الشام، وله كتاب في التفسير، وكتاب شجرة المعارف، وله كتاب في العقيدة سمّاه عقائد الشيخ عز الدين، وشرحه الإمام ولي الدين محمد بن أحمد الديباجي
وله كتاب الفتاوى الموصلية، وله كتاب القواعد الكبرى في فروع الشافعية، قال عنه صاحب كشف الظنون:"وليس لأحدٍ مثله". وكتاب كشف الأسرار عن حكم الطيور والأزهار، وله كتاب الغاية في اختصار النهاية.
وقد شملت مؤلفات الشيخ التفسير وعلوم القرآن، والحديث والسيرة النبوية، وعلم التوحيد، والفقه وأصوله، والفتوى.
منهج العز بن عبد السلام في البحث:
يدعو إلى إعمال العقل في استنباط الأحكام، وفي التعرف على المصالح. ويرى أن الأحكام إن لم يمكن استنباطها من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس، فيجب استنباطها بما يحقق مصلحة ويدرأ مفسدة، والعقل هو أداة هذا الاستنباط.
ثناء العلماء على العز بن عبد السلام:
قال عنه الذهبي:"بلغ رتبة الاجتهاد، وانتهت إليه رئاسة المذهب، مع الزهد والورع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصلابة في الدين، وقصده الطلبة من الآفاق، وتخرّج به أئمة".
وقال عنه ابن دقيق العيد:"كان ابن عبد السلام أحد سلاطين العلماء". وقال عنه ابن الحاجب:"ابن عبد السلام أفقه من الغزالي". وقال عنه ابن السبكي:"شيخ الإسلام والمسلمين، وأحد الأئمة الأعلام، سلطان العلماء، إمام عصره بلا مدافعة، القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في زمانه، المطلع على حقائق الشريعة وغوامضها، العارف بمقاصدها".
وفاة العز بن عبد السلام:
تُوفِّي العز بن عبد السلام (رحمه الله) سنةَ 660 هـ/ 1261 م، عن ثلاثٍ وثمانين سنة.