عليه وسلَّم""
وإذا ما عُدْنا إلى ما تناوله الرَّسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو كان لا ينطقُ عن الهوى، فنجده قد قال في مسألة الأخلاق والإيمان أيضًا: (الإيمانُ بِضْعٌ وسبعون شُعبةً، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إِماطةُ الأَذى عن الطريق، والحياءُ شُعبة من الإيمان) أخرجه مسلم
وفي تناوله لهذا الحديث يقول الشَّيْخ نزيه مطرجي:"هذه الشُّعَب الإيمانيَّة منها ما يتعلّق بالجَنان، ومنها ما يتعلَّق بالِّلسان، ومنها ما يتعلَّق بالأبدان، فأمَّا ما يتعلَّق بالجَنان، فهي المعتقدات والنِّيَّات، وتشتمل على أربعٍ وعشرين خَصلةٍ كما ورد في فتح الباري في شرح صحيح البخاريِّ، منها الإيمان بالله وتوحيده وبقيَّة الأركان، ومحبةُ الله، والحبُّ في الله والبُغضُ في الله، والإخلاص لله، وترك الرِّياء والنِّفاق، والتَّوْبَة، والرِّضا بالقضاء".
ويُضيف:"أمَّا ما يتعلَّق بالِّلسان، فيشتمل على سَبْعِ خصالٍ، كالذّكر والدُّعاء وتلاوة القرآن، وأمّا ما يتعلّق بالأَبدان، فيشتمل على ثمانٍ وثلاثين خَصلةٍ، كالصَّلاة والزَّكاة والصيام والحَجِّ والقيام".
إلا أنَّ ما جاء في فتح الباري لا يقصر ما جاء بشأن الأبدان فيما يتعلَّق بشُعَبِ الإيمان على العبادات فحسب، على ما فيها من تهذيبٍ لسلوكِ المسلم؛ حيث جاء فيها أيضًا مجموعةٌ من السُّلوكيَّات والأخلاقياَّت العامَّة ذات الطَّبيعة الاجتماعيَّة، مثل صلة الأرحام، وإطعام الطَّعام، وردُّ السَّلام، وإقامة الأحكام، وكفُّ الأذى عن الأنام.
وإذا ما عددنا ما جاء في القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة الشَّريفة حول الأخلاقيَّات التي دعا إليها الإسلام، فإنَّنا سوف نجد أنفسنا أمام كمٍّ كبيرٍ من النُّصوص التي تدعو إلى الصِّدق وحفظ الأمانة والحلم والأناة والشَّجاعة والمروءة والمودَّة والصَّبر والإحسان والتَّروي والاعتدال والكرم والإيثار والرِّفق بالحيوان
والعدل والإنصاف والحياء والشُّكر وحفظ الِّلسان وإتقان الأعمال والعفَّة والوفاء والشُّورى والتَّواضُع مع عِزَّة الإيمان والعفو والتَّعاوُن والرَّحمة والبرِّ والقناعة والرِّضا والعزيمة، وكذلك ألا يخاف الإنسان في الحقِّ لومة لائمٍ.
وفي النِّهاية نختم ببعض الهديِّ النبويِّ فيما يخص مكارم الأخلاق، وأهميَّتها في حياة المسلم، بل في تحديد مصيره في الآخرة أيضًا. ومن بين ذلك، قِيل للنَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم:"إنَّ فُلانةً تصوم النَّهار، وتقوم الَّليل، وتفعل، وتَصَّدق، وتؤذي جيرانها بلسانها. فقال: (لا خير فيها، هي في النَّار) قيل: فإنَّ فلانةً تُصلِّي المكتوبة، وتصوم رمضان، وتتصدق بأثوارَ من أقطٍ، ولا تؤذي أحدًا بلسانها. قال: (هي في الجنَّة) رواه أحمد والبخاريُّ"
وعن أبي قراد السِّلميِّ - رضي الله عنه - قال: كُنَّا عند رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فدعا بطَهورٍ، فغمسَ يَدَه فيه، ثم توضَّأ فتتبَّعناه فحسوناه. فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (ما حملكم على ما صنعتم؟)
قلنا: حبُّ الله ورسوله. قال: (فإنْ أحببتم أنْ يُحبَّكُم الله ورسوله، فأدُّوا إذا ائتُمِنْتُم، واصدقوا إذا حدَّثتم، وأحسنوا جوار من جاوركم)