ولعلّ قضاءه على ثورة بابك الخرمي التي أسست دولة شاسعة في أذربيجان وجوارها منذ عهد المأمون كانت من أبرز أعماله
إذ إن بابك الخرمي قد مزج بين الإسلام والمجوسية وأسس دينًا هجينًا وعمد إلى إصلاحات اقتصادية واجتماعية جذرية ما ساهم في بقاءه عصيًا على الدولة العباسية عشرين عامًا، قضا عليها القائد حيدر بن كاوس"الافشين"
ثم قامت ثورة أخرى بقيادة محمد بن القاسم وهو شيعي على المذهب الزيدي, إذ كان مقيما بالكوفة ثم خرج منها إلى الطالقان بخراسان يدعوا إلى الرضا, فاجتمع اليه أناس كثر, فاهتم لأمره عبد الله بن طاهر بن الحسين أمير خراسان
وبعث له جيوشا وقامت بين الفريقين وقعات بناحية الطالقان انتهت بهزيمة محمد بن القاسم وفراره إلى كور خراسان في مدينة نسا غير أن واليها أمسك به وبعثه إلى المعتصم فقام الخليفة بحبسه غير أنه تمكن من الفرار من السجن بمساعدة مجموعة من أنصاره, ولم يعرف عنه أي خبر بعد ذلك
انتهز الامبراطور تيوفيل البيزنطي فرصة انشغال المعتصم في مطاردة الخرميين, وأغار على الحدود الإسلامية وهاجم مدينة زبطرة وهي أقرب الثغور الإسلامية إلى أراضي الدولة البيزنطية, فأحرقها وخربها وقتل رجالها وسبى نساءها وأطفالها
وقد غضب المعتصم لهذا الحدث خصوصا وأنه كان يعتز بهذه المدينة كونها مسقط رأس والدته, ويذكر ابن الأثير أن امرأة هاشمية أخذت تصيح عندما وقعت في أسر الروم"وا معتصماه"فلما بلغ ذلك المعتصم أقسم بأن ينتقم من الروم وأن يخرب مدينة عمورية مسقط رأس والد الامبراطور البيزنطي وأهم مدينة في آسيا الصغرى
ثم جمع المعتصم جيشا كبيرا بلغ تعداده خمسمائة الف جندى, تولى قيادته بنفسه كما ساعده كبار قواده كحيدر بن كاوس (الافشين) وأشناس, ويقال أن اسم عمورية كان منقوشا على درع كل جندي في الجيش. وتقدم المعتصم بجيوشه حتى التقى بجيش تيوفيل عام 838 م فقامت بين الجيشين معركة انتهت بانتصار جيش المعتصم
ثم توجه إلى مدينة عمورية وضرب حصارا عليها وبعد الحصار الشديد تمكن المعتصم من اقتحام عمورية عنوة وتخريبها وأسر من فيها
ويقال أن المعتصم كان يريد أن يواصل فتوحاته إلى القسطنطينية, غير أنه اكتشف مؤامرة دبرها ابن أخيه العباس مع القائد عجيف بن عنبسه الذي سبق أن قضى على ثورة الزط مما اضطر المعتصم لأن ينهي الحرب مع الروم ويقبض على العباس وعجيف فحبسهما ومنع عنهما الماء إلى أن ماتا
احتجم المعتصم في أول يوم من محرم سنة 227 هجرية فأصيب عقب ذلك بعلته التي قضت عليه يوم الخميس لثماني ليال مضت من شهر ربيع الأول من تلك السنة ورثاه محمد بن عبد الملك الزيات
ويقول السيوطي أنه لما احتضر جعل يقول:
(ذهبت الحيلة فليس لي حيلة اللهم إنك تعلم أني أخافك من قبلي ولا أخافك من قبلك. وأرجوك من قبلك ولا أرجوك من قبلي)
كانت خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام، وهو ثامن الخلفاء من بنى العباس، وثامن أولاد هارون الرشيد، ومات عن ثمانية بنين وثماني بنات
وتولى الخلافة سنة ثمان عشرة ومئتين، وفتح ثمانية فتوح فكان يلقب ب"المثمن"، وكان معروفا بطيبة النفس، وكان من أعظم الخلفاء وأكثرهم هيبة.
وإثر وفاته عام 842 م بويع بالخلافة ابنه الواثق بالله.