أولا: آية كريمة
قال تعالى:
(محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما) الفتح/ 29
الشرح:
يخبر تعالى عن محمد صلوات الله عليه، أنه رسوله حقا بلا شك ولا ريب، فقال: (محمد رسول الله) ، وهذا مبتدأ وخبر، وهو مشتمل على كل وصف جميل، ثم ثنى بالثناء على أصحابه فقال: (والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) كقوله تعالى: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) المائدة: 54 وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدا عنيفا على الكفار، رحيما برا بالأخيار، غضوبا عبوسا في وجه الكافر، ضحوكا بشوشا في وجه أخيه المؤمن
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم:
"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"،وقال:
(المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) وشبك بين أصابعه كلا الحديثين في الصحيح.
وقوله: (تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا) وصفهم بكثرة العمل وكثرة الصلاة، وهي خير الأعمال، ووصفهم بالإخلاص فيها لله - عز وجل - والاحتساب عند الله جزيل الثواب، وهو الجنة المشتملة على فضل الله، وهو سعة الرزق عليهم، ورضاه تعالى، عنهم وهو أكبر من الأول
وقوله: (سيماهم في وجوههم من أثر السجود) يعني: السمت الحسن.
قال أمير المؤمنين عثمان: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه.
والغرض أن الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع الله أصلح الله ظاهره للناس، كما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته.
وقال مالك، رحمه الله: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام يقولون:"والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا"
وصدقوا في ذلك، فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد نوه الله بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة ; ولهذا قال هاهنا: ` (ذلك مثلهم في التوراة) ، ثم قال: (ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه) ، (أخرج شطأه) أي: فراخه، (فآزره) أي: شده (فاستغلظ) أي: شب وطال (فاستوى على سوقه يعجب الزراع) أي: فكذلك أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - آزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطء مع الزرع ليغيظ بهم الكفار
(وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة) أي: لذنوبهم (وأجرا عظيما) أي: ثوابا جزيلا ورزقا كريما، ووعد الله حق وصدق، لا يخلف ولا يبدل، وكل من اقتفى أثر الصحابة فهو في حكمهم
قال مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: