عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ)
أخرجه الترمذي وصححه الألباني في"السلسلة الصحيحة"
الشرح:
هذا حديث عظيم عن النبي صلى الله عليه وسلم، يفرق فيه بين من كانت الدنيا همه، وكان مهمومًا منشغلًا بها، وبين من هو مشغول بأمر الآخرة، فهذا رزقه مقسوم،، وهذا رزقه مقسوم.
أما الأول: (فهو من كانت الدنيا همه) فإن الله يفرق عليه أمره، ويجعله مشغولًا بالدنيا، فإذا بها تشعبه في كل وديانها وسهولها.، وجبالها، وتتفرق به الأهواء والمطامع في الدنيا، قال صلى الله عليه وسلم:
(وجعل الله فقره بين عينيه) حتى إذ امتلأت يداه مالًا فإن قلبه يمتلئ فقرًا فيحس أنه فقير، ويشعر أن المال سوف ينتهي (ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له)
وأما الآخر: فهو من كانت الآخرة همه، ونيته رضا ربه سبحانه، فهذا قال عنه صلى الله عليه وسلم: (جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه) ، فإذا به غني القلب لا يهتم بهذه الدنيا، ولا يريد أن يتوسع فيها توسعًا كبيرًا، وإنما هو قانع برزق الله سبحانه الذي قد كفاه هذا الرزق،) وأتته الدنيا وهي راغمة) أي: أتته الدنيا غصبًا عنها؛ لأن الله كتب له رزقه أنه سيأتيه، فبحث عن الزرق من الباب الحلال، فآتاه الله عز وجل به
قال العلامة المباركفوري في"تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي":"هَمَّهُ":أَيْ قَصْدُهُ وَنِيَّتُهُ."جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ": جَعَلَهُ قَانِعًا بِالْكَفَافِ وَالْكِفَايَةِ كَيْ لَا يَتْعَبَ فِي طَلَبِ الزِّيَادَةِ،"وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ": أُمُورَهُ الْمُتَفَرِّقَةَ بِأَنْ جَعَلَهُ مَجْمُوعَ الْخَاطِرِ بِتَهْيِئَةِ أَسْبَابِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِهِ
"وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا": مَا قُدِّرَ وَقُسِمَ لَهُ مِنْهَا،"وَهِيَ رَاغِمَةٌ": أَيْ ذَلِيلَةٌ حَقِيرَةٌ تَابِعَةٌ لَهُ لَا يَحْتَاجُ فِي طَلَبِهَا إِلَى سَعْيٍ كَثِيرٍ بَلْ تَأْتِيهِ هَيِّنَةً لَيِّنَةً عَلَى رَغْمِ أَنْفِهَا وَأَنْفِ أَرْبَابِهَا،"وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ": وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الدُّنْيَا
"جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ": الِاحْتِيَاجِ إِلَى الْخَلْقِ كَالْأَمْرِ الْمَحْسُومِ مَنْصُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ،"وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ": أُمُورَهُ الْمُجْتَمَعَةَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ أَيْ مَا تَشَتَّتَ مِنْ أَمْرِهِ. وَفَرَّقَ اللَّهُ شَمْلَهُ أَيْ مَا اِجْتَمَعَ مِنْ أَمْرِهِ , فَهُوَ مِنْ الْأَضْدَادِ،"وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ"أَيْ وَهُوَ رَاغِمٌ, فَلَا يَأْتِيهِ مَا يَطْلُبُ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى رَغْمِ أَنْفِهِ وَأَنْفِ أَصْحَابِهِ.