(فأخبر أن الغالين يحرِّفون ما جاء به، والمبطلون ينتحلون بباطلهم غير ما كان عليه، والجاهلون يتأولونه على غير تأويله، وفساد الإسلام من هؤلاء الطوائف الثلاثة؛ فلولا أن الله - تعالى - يقيم لدينه من ينفي عنه ذلك لجرى عليه ما جرى على أديان الأنبياء قبله من هؤلاء)
وهذا يتضمن التحذير من ترئيس الجهال، وتخلية الساحة لهم، بقعود العلماء الراسخين عما أوجبه الله عليهم من البلاغ والتبيين. وفيه التحذير من استفتاء أدعياء العلم وأنصاف المتعلمين، ومن يتصدرون للفتوى وهم في الحقيقة جهال أدعياء.
وفيه التحذير الشديد لهؤلاء من القول على الله بلا علم، وإقحام أنفسهم في ما لا يحسنون، والخوض في بحر لا يجيدون السباحة فيه، فيَضِلون ويُضِلون، ويتحملون أوزارهم وأوزار من يضلونهم بغير علم.
وقد صحَّ عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: (يهدم الإسلام زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون)
فإذا كانت زلة العالم تهدم الإسلام، وتضل الأنام، فكيف بفتاوى أئمة الضلالة وأرباب الجهالة والغواية؛ فليس شيء أخطر على الأمة، ولا أضيع لدينها من جاهل دعي، أو منافق ذكي، يستعمل ذكاءه وعلمه وفصاحته في إضلال الخلق، وصدهم عن الهدى ودين الحق؛ فعن أبي عثمان النهدي قال: إني لجالس تحت منبر عمر - رضي الله عنه - وهو يخطب الناس، فقال في خطبته: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة كل منافق عليم اللسان)
فإذا كان المنافق عليمَ اللسان، قويَّ البيان، كان ذلك سببًا لفتنة الناس ولَبْس الحق بالباطل، ولهذا كان أخوف شيء يخافه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته هم أئمة الضلالة هؤلاء، وذلك لشدة خطرهم، وعموم ضررهم
من هم المؤلفة قلوبهم؟
تعريف المؤلفة قلوبهم فقد اختلف الفقهاء فيه على أقوال:
فذهب الحنفية إلى أنهم كانوا ثلاثة أقسام:
قسم كفار كان عليه الصَّلاة والسَّلام يعطيهم ليتألفهم على الإِسْلام. وقسم كان يعطيهم ليدفع شرّهم. وقسم أَسْلموا وفيهم ضعف في الإِسْلام، فكان يتألفهم ليثبتوا عليه.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن المؤلفة قلوبهم هم من الكفار يعطون ترغيبا لهم على الدخول في الإسلام لأجل أن يُعينوا المسلمين عند حاجتهم إليهم، وهو قول للمالكية.
وذهب الشافعية في المذهب إلى أن المؤلفة قلوبهم هم مسلمون دخلوا في الإسلام فعلا، فيعطون تثبيتا لهم على الإسلام، ولا يجوز أن يعطى الكفار منها شيئا، مستدلين على ذلك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) رواه البخاري.
وذهب الحنبلية إلى جواز أن يعطى للمؤلفة قلوبهم مسلمين كانوا أو كفارا، الأولون لتثبيتهم على الإسلام والآخرون لدعوتهم إلى الإسلام