فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 405

و لكن الأمور تغيرت بعد قدوم الحملة الفرنسية و الصدمة الحضارية التي أصابت المصريين و جعلتهم ينظرون إلي الغرب للمحاكاة.

كانت أول إرهاصة لقيام حياة نيابة في مصر عام 1829 م في عهد محمد علي باشا، باني مصر الحديثة، عندما أنشأ مجلسًا للمشورة يتكون من كبار التجار و الأعيان و العمد و المشايخ و العلماء. و كانت وظيفته الأساسية إبداء الرأي في المسائل الإدارية العامة دون أن يلتزم محمد علي باشا بتنفيذها، فكان رأي المجلس إستشاري.

و علي الرغم من وظيفة المجلس الاستشارية، فإن محمد علي يرجع إليه الفضل في ابتداع هذا المجلس و الذي بدأ يتطور في وظائفه و صلاحياته حتي أصبح يضاهي المجالس النيابية في أوروبا.

و لكن بعد إنقضاء حكم محمد علي بوفاته، تعطل هذا المجلس، لأن عباس و سعيد لم يكونا متحمسين له كما كان محمد علي.

و جاء عهد الخديو اسماعيل، و حقق فيه البرلمان المصري طفرة كبيرة بقيام مجلس شوري النواب في ديسمبر من عام 1866 م و يتكون من 75 نائب ينتخبهم الشعب من طبقة كبار ملاك الأراضي الزراعية كل ثلاث سنوات. و تشير الكثير من الدراسات التاريخية أن إسماعيل كانت لدية رغبة حقيقية في إشراك الشعب ممثلًا في طبقة كبار ملاك الأراضي الزراعية في إبداء الأراء في المسائل التي تتعلق بتسيير شئون الحكومة المصرية.

و كان رأي هذه المجلس إستشاريًا أيضًا و ليس إلزاميًا. و لكن هذا المجلس واكب ظهور الرأي العام المصري الذي تشكل مع ظهور الصحافة المصرية و الحركة التحررية ضد التدخل الأجنبي الذي كان في ازدياد في نهاية حكم الخديو اسماعيل.

و لعب مجلس شوري النواب دورًا مناهضًا للتدخل الأجنبي في شئون البلاد أثناء أزمة الديون الخارجية، و أصر المجلس علي أحقيته في مناقشة ميزانية الحكومة التي كان يتولاها في ذلك الوقت وزير مالية إنجليزي، و هو الذي جاء ليتولي وزارة مالية مصر نتيجة الضغط علي الخديو من قبل الباب العالي و الدائنين الأجانب.

و بعد خلع الخديو اسماعيل و نفيه من مصر عام 1879 م، تولي ابنه توفيق الخديوية، و استمر مجلس النواب في عهده يحاول أن ينتزع لنفسه حقوق تشريعية تجعله طرفًا في الموافقة علي أي قوانين أو تشريعات جديدة، و هي الحقوق التي حصل عليها بالفعل مناصفة مع الخديو، بالإضافة إلي حق إقرار الضرائب و المسائل المالية بعد مناقشتها و التصويت عليها.

فكان ذلك يبشر بقيام حياة نيابية نشطة في مصر، و من ثم قيام نظام ديموقراطي يكون الأول من نوعه في المنطقة.

و لكن القوي الأوروبية التي كانت تريد السيطرة علي مصر للسيطرة علي قناة السويس، أدركت أن الوقت لا يسير في صالحها، و إنما في صالح القوي الشعبية الممثلة في مجلس النواب الذي دخل في مواجهة سافرة مع رموز التدخل الأجنبي في مصر. لذلك جاء عام 1882 م و جاء معه الاحتلال البريطاني الذي قضي علي هذا الحلم الوليد و قضي علي أمل مصر في أن تصبح من طليعة الدول التي تقيم نظام ديموقراطي راسخ. و إذا قدر لمجلس النواب أن يستمر لتغير التاريخ السياسي لمصر حتي وقتنا هذا.

وضع لورد دفرين Duffrin عام 1883 م القانون الأساسي لتنظيم الشئون الداخلية لمصر تحت سلطة الاحتلال البريطانية، و نص القانون علي إقامة مجلسين استشاريين لا تشريعيين، هما مجلس شوري القوانين و الجمعية العمومية للتداول في الشئون الداخلية لمصر. و كان هذا المجلس بمثابة انتكاسة لتطور الحياة النيابية في مصر عاد بها 20 سنة إلي الوراء.

كان رأي مجلس شوري القوانين استشاريًا، و كان يتكون معظمه من كبار ملاك الأراضي الزراعية الذين تلاقت مصالحهم بشكل ما مع مصالح السلطة البريطانية و التي كانت تكافئهم بالقيام بمشروعات زراعية مستمرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت